
طاطا: خفافيش الظلام وملف “ولد باكة”، تضامن تحت الطلب أم ضجيج لإخفاء الوقائع؟
الجريدة العربية -مكتب الرباط
الحلقة الأولى
في كل مرة تشتد فيها العتمة، تخرج كائنات اعتادت التحليق بعيدا عن ضوء الحقيقة. لا تظهر في وضح النهار، ولا يستهويها النقاش الصريح، بل تفضل التحرك في الظلال حيث تختلط الأصوات وتضيع الوقائع. تلك هي باختصار حكاية ما يمكن تسميته اليوم بـ “خفافيش الظلام”؛ أولئك الذين هرعوا فجأة إلى كتابة تدوينات تضامن تحت الطلب، بعدما استُجدي منهم ولد باكة ذلك، في محاولة يائسة لتلميع صورة ذبلت أمام الرأي العام، وبهتت حتى في أعين الأصدقاء والمحيط القريب.
فجأة، ومن دون سابق إنذار، امتلأت الفضاءات بتدوينات متشابهة في النبرة واللغة، وكأنها خرجت من قالب واحد. تدوينات تحاول رسم صورة ضحية مطلقة، وتقديم صاحبها باعتباره إنسانا نزيها صادقا لا يشوبه غبار. غير أن المشكلة في مثل هذه الحملات أنها تكشف، أكثر مما تخفي، حجم الارتباك الذي يعيشه أصحابها.
فمن يعرف تفاصيل الحكاية عن قرب يدرك أن الصورة التي يتم تسويقها اليوم لا تشبه كثيرا الواقع الذي عاشه كثيرون. واقع مليء بالمناورات الصغيرة، والحيل الملتوية، والممارسات التي أتقن صاحبها نسجها في الخفاء. فكم من مرة أشعل فتيل خلاف بين هذا وذاك، ثم عاد في دور المنقذ الذي يتدخل لإخماد النار التي كان هو أول من أشعلها، في لعبة مكشوفة هدفها رفع أسهمه وبناء مصداقية مزيفة.
إنها طريقة قديمة في صناعة الأدوار: افتعال الأزمة، ثم الظهور في هيئة الحكم أو المصلح. وهكذا يكبر الدور في أعين البعض، بينما الحقيقة تبقى أقل بريقًا بكثير مما يُسوَّق لها.
ومن الأمثلة التي يرويها من عايشوا بعض تفاصيل هذه الممارسات، تلك الحكاية التي تتعلق بشيك دُفع لأحد الأصدقاء، وما ترتب عنه من أزمة صحية قاسية أنهكته. قصة أخرى تُضاف إلى سلسلة الوقائع التي يعرفها المحيط القريب، وإن كانت لا تجد طريقها بسهولة إلى التدوينات التي تُكتب تحت الطلب.
ومع ذلك، يخرج صاحب الحكاية اليوم ليؤكد براءته من “دم يوسف”، مستعينا بآيات بينات وبخطاب ديني يضفي على موقفه مسحة من الطهرانية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ببساطة: إذا كان الأمر كذلك، وإذا كانت البراءة بهذا الوضوح، فلماذا كل هذه الوساطات التي يقال إنها تحركت من داخل الإقليم وخارجه؟ ولماذا كل هذه الجهود لإقناع هذا الطرف أو ذاك بالتنازل عن المتابعة؟
أليس من كان واثقًا من براءته يترك الملف يسلك طريقه الطبيعي أمام القضاء؟
ثم ما الحاجة لكل هذه التدوينات التي تحاول رسم صورة الضحية، وتستدر التعاطف، وتحوّل النقاش من وقائع إلى مشاعر؟
إن الحقيقة البسيطة التي بدأت تتضح شيئًا فشيئًا هي أن الضجيج لا يصنع البراءة، وأن جوقة التضامن التي تحلق في العتمة قد تنجح في إحداث صدى مؤقت، لكنها لا تستطيع تغيير الوقائع.
ففي النهاية، قد تحلق خفافيش الظلام لبعض الوقت، لكن النهار حين يطلع… لا يترك لها مكانا للاختباء.
يتبع…