
طاطا.. العرس يسبق الصندوق: الاستقلال يطلق البروفة والناخب يفتح دفتر الذاكرة “فيديو”
الجريدة العربية -مكتب الرباط
يبدو أن السباق الانتخابي في اقليم طاطا قرر أن يبدأ من خارج مضمار الانتخابات؛ من الأعراس والمناسبات الاجتماعية، حيث تختلط المجاملة السياسية بالابتسامة الجماعية، وتتحول صورة عابرة إلى مادة دسمة للتأويل. آخر المشاهد من دوار توكريح بجماعة أديس حملت كل مكونات البروفة: مناسبة اجتماعية، حضور وجوه سياسية، مصافحات، ابتسامات وصورة جماعية سرعان ما وجدت طريقها إلى مواقع التواصل. لا شيء في الصورة وحده يثبت أنها حملة انتخابية، لكن السياسة لا تحتاج دائماً إلى لافتة انتخابية كي تترك إشارتها. فحين تبدأ الوجوه في الظهور مبكراً، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام حضور اجتماعي بريء، أم أمام اختبار مبكر لحرارة الميدان؟ هنا تبدأ السخرية الحقيقية؛ لأن بعض الحملات لم تعد تحتاج إلى منصة ومكبر صوت، بل إلى هاتف، صورة، ومنشور يعرف كيف يوقظ الذاكرة السياسية.
لكن المشكلة التي قد تواجه أي محاولة لإعادة تسويق الوجوه القديمة ليست في جودة الصورة، بل في جودة الحصيلة. فالناخب الطاطاوي ليس صفحة بيضاء تنتظر أول منشور انتخابي كي تُكتب عليها الحكاية من جديد. هناك ذاكرة، ووعود، وملفات، وأسئلة عن الحضور والغياب، وعن ما تحقق وما بقي معلقاً. يستطيع السياسي أن يغير صورته، وخلفيته، وشعار حملته، وحتى طريقة تقديم نفسه؛ لكنه لا يستطيع أن يحمّل هاتفه تطبيقاً يمسح ذاكرة الناخب. لا يوجد فلتر يحذف السنوات السابقة، ولا زر إعادة ضبط المصنع يمحو الوعود والأسئلة. وإذا كان الاستقلال يستعد فعلاً لدخول السباق بقوة، فإن التحدي لن يكون فقط في استعراض الحضور، وإنما في إقناع المواطن بأن الصورة الجديدة تحمل معها شيئاً جديداً أيضاً. فالناخب قد يبتسم في العرس، ويصافح السياسي، ويقف معه في الصورة، لكنه عندما يدخل المعزل لن يحمل معه أجواء المناسبة؛ سيحمل تجربته الخاصة، وما عاشه خلال السنوات الماضية.
وهنا بالضبط تبدأ المعركة الحقيقية: الصورة في مواجهة الذاكرة، والتسويق في مواجهة الحصيلة، والحضور الفوتوغرافي في مواجهة الأثر السياسي. طاطا لا تحتاج إلى صور أكثر لمعرفة من يعرف كيف يبتسم أمام الكاميرا، بل تحتاج إلى إجابات عن البطالة وفرص الشغل والصحة والماء والطرق والبنيات التحتية والتنمية وانتظارات المواطنين التي لا تختفي بمجرد ظهور منشور جديد. وإذا كانت البروفة قد بدأت من العرس، فلتبدأ معها المحاسبة أيضاً؛ لأن كل صورة سياسية جديدة تفتح تلقائياً باب المقارنة مع الصور القديمة. يمكن للسياسي أن يقول نحن في الميدان، لكن الناخب قد يسأل: أين كنتم حين لم تكن الكاميرات موجودة؟ ويمكن للصورة أن تقول نحن قريبون، لكن الذاكرة قد ترد: هل كان هذا القرب موسمياً أم دائماً؟