
طاطا: إنسحاب السنبلة لم يكن نهاية القصة.. أبوبيس والكاهن الأعظم في مرآة العزلة التي تضرب الاستقلال
الجريدة العربية – مكتب الرباط
لم يكن انسحاب مرشح السنبلة في ليلة إيداع الترشيحات مجرد مفاجأة انتخابية عابرة، بل كان بمثابة حجر سقط في بركة سياسية راكدة، فكشف حجم التصدعات التي كانت مخفية تحت السطح.
المفارقة أن أنظار عدد من المناضلين والفاعلين الذين كانوا ينتمون إلى محيط السنبلة لم تتجه، بعد انسحاب مرشحهم، نحو حزب الاستقلال، بل اتجهت نحو البحث عن دعم بدائل حزبية أخرى. وهنا بالضبط تبدأ الحكاية التي تضع أبوبيس ومنسق الحزب، الملقب في الكواليس بالكاهن الأعظم، أمام مسؤولية سياسية لا يمكن القفز عليها.
فإذا كان المنطق الانتخابي يقول إن انسحاب مرشح من السباق يفتح تلقائيا المجال أمام إعادة تجميع الأصوات والطاقات داخل المعسكر السياسي الأقرب، فإن ما حدث في طاطا كان مختلفاً: البحث عن وجهات أخرى بدا، بالنسبة إلى عدد من هؤلاء، أيسر من الالتفاف حول مرشح حزب الاستقلال.
هذا ويفضل مناضلون وفاعلون البحث عن دعم التراكتور أو الحمامة أو غيرهما، بدل الالتحاق بخيار الاستقلال، فإن السؤال المحرج لا ينبغي أن يوجه إليهم وحدهم، بل إلى القيادة المحلية للحزب: ماذا فعلتم حتى لم يعد الاستقلال، في نظر جزء من هؤلاء، الوجهة الطبيعية بعد سقوط مرشحهم؟
وهنا يظهر دور أبوبيس ومنسق الحزب بصورة أكثر وضوحا، فالقيادة السياسية ليست امتلاك مفاتيح المقرات ولا توزيع الأدوار التنظيمية، وإنما القدرة على جمع المختلفين، احتضان الغاضبين، استقطاب المترددين، وتحويل الأزمات إلى فرص.
أما إذا تحولت الأسماء النافذة داخل التنظيم إلى سبب في نفور مناضلين أو في ابتعاد شخصيات كان يفترض أن تكون قريبة من الحزب، فالمشكلة لا تعود في هؤلاء الذين غادروا أو ابتعدوا، وإنما في طريقة إدارة البيت من الداخل.
والأكثر إثارة أن المرشح البرلماني، وفق ما يتم تداوله، لم يخفِ امتعاضه من استمرار بعض الوجوه، بل عبّر صراحة عن أنه لم يعد يطيق بقاءهم داخل الحزب، غير أن حساسية المرحلة الانتخابية تفرض، في نظره، التعامل بقدر من الهدوء وتأجيل الحسم إلى ما بعد الانتخابات التشريعية.
فقد وصل الخلاف داخل حزب الميزان إلى مرحلة اصبح فيها بعض قيادييه غير مرغوب في استمرارهم حتى من طرف مرشح الحزب نفسه، حيث تم تأجيل المواجهة فقط لأن الانتخابات على الأبواب، فالحزب أمام أزمة سياسية مؤجلة وليست أزمة منتهية.
والأخطر أن الانتخابات قد تنتهي، لكن السؤال سيبقى قائماً: هل كان أبوبيس ومنسق الحزب جزءاً من الحل، أم أن أسلوب تدبيرهما كان أحد أسباب هذه العزلة؟ فالاستقلال في طاطا لا يواجه فقط خصومه في التراكتور والحمامة وباقي المنافسين؛ بل يواجه أيضا امتحانا داخليا عنوانه الثقة.
ومن العبث السياسي أن يُطلب من المناضلين أن يعبئوا الشارع لصالح حزب لا يشعرون بأن قيادته المحلية تسمعهم، أو أن يُطلب من الوافدين أن يلتحقوا ببيت سياسي بينما بعض أبناء البيت أنفسهم يبحثون عن أبواب أخرى.
لقد كان انسحاب مرشح السنبلة فرصة نادرة لإعادة ترتيب الأوراق، لكن ما تكشف بعد الانسحاب هو أن المشكلة لم تكن في غياب ورقة انتخابية فقط، وإنما في غياب الجاذبية السياسية لدى جزء من المحيط الانتخابي.
وهنا تحديدا ينبغي لأبوبيس والكاهن الأعظم أن يتوقفا عن النظر إلى المشهد من شرفة القيادة، وأن ينزلا إلى أرض الواقع ليسألا سؤالاً بسيطاً لكنه قاسٍ:
لماذا، عندما سقطت السنبلة، لم يتجه أبناؤها تلقائيا نحو الاستقلال؟ الجواب عن هذا السؤال أهم من عشرات الخطب الانتخابية،لأن الحزب الذي يريد أن يكون بديلا لا يكفيه أن ينتظر سقوط خصمه؛ عليه أن يكون مقنعا بما يكفي لكي يجد الساقطون فيه ملاذهم السياسي.