
سبعون عامًا على الاستقلال: مسيرة شعب وعرش في بناء الوطن وصون السيادة
الجريدة العربية
يستعد المغرب يوم غد الثلاثاء 18 نونبر للاحتفال بعيد الاستقلال، هذه المحطة الوطنية الخالدة التي تعيد إلى الذاكرة جماعةً من اللحظات المضيئة التي صاغت ملامح الدولة الحديثة ورسخت الارتباط الوثيق بين الشعب وعرشه في مواجهة الاستعمار. فمن جبال الأطلس إلى تخوم الصحراء، سجلت الذاكرة الوطنية معارك خالدة مثل الهري وأنوال وبوغافر وجبل بَدّو وسيدي بوعثمان، وانتفاضات قبائل آيت باعمران ومقاومة أبناء الجنوب، التي شكلت جميعها قاعدة صلبة لتنامي الوعي الوطني ورفض الهيمنة الأجنبية.
وتأتي ثورة الملك والشعب سنة 1953 لتجسد أسمى صور التلاحم الوطني، بعدما حاولت سلطات الاحتلال فرض واقع سياسي جديد يقطع الصلة بين العرش والشعب. لكن المغاربة، بقيادة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، واجهوا هذا المخطط بثبات، مقدّمين نموذجًا فريدًا في مقاومة الاستعمار واستعادة الشرعية.
ومع عودة الملك محمد الخامس من المنفى في 18 نونبر 1955، انطلق فصل جديد من تاريخ المغرب؛ إعلان استقلال الدولة وبداية مشروع بناء المغرب الحديث، وهو ما عبّر عنه جلالته باعتباره انتقالاً من “الجهاد الأصغر” إلى “الجهاد الأكبر” من أجل تثبيت دعائم الدولة واستكمال وحدتها الترابية. وعلى خطى هذا التوجه، قاد الملك الحسن الثاني معركة استرجاع ما تبقى من التراب الوطني، بدءًا من استعادة سيدي إفني سنة 1969، وصولًا إلى الملحمة التاريخية للمسيرة الخضراء سنة 1975، التي أرست واقعًا جديدًا في الجنوب المغربي وأطلقت مرحلة إعادة توطيد السيادة الوطنية.
واليوم، يواصل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، هذه المسيرة الإصلاحية برؤية استراتيجية ترتكز على صون الوحدة الترابية، وتعزيز مكانة المغرب دوليًا، وتحقيق تنمية مستدامة تعطي للإنسان المغربي موقع الصدارة في السياسات العمومية. وقد أكد القرار الأممي 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 وجاهة التصور المغربي لحل قضية الصحراء عبر مبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها خيارًا واقعيًا وموثوقًا يحظى بتأييد متزايد على الصعيد الدولي.
وتجسد ذكرى عيد الاستقلال فرصة سنوية لاستحضار تضحيات أجيال متعاقبة من الوطنيين، واستعادة مسار الكفاح الذي عبّد الطريق نحو الحرية. فمن وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، إلى خطاب طنجة التاريخي سنة 1947، مرورًا بانتفاضات 1953 في وجه محاولات تنصيب بن عرفة، وصولًا إلى انطلاق عمليات جيش التحرير في الشمال والجنوب، ظلّ الشعب المغربي متشبثًا بمبادئه ووفياً لعرشه.
وفي خضم إحياء الذكرى السبعين لعودة الملك محمد الخامس من المنفى، تنظّم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير لقاءات وطنية ومعارض للذاكرة، وتكرّم نخبة من قدماء رجال المقاومة، تثمينًا لدورهم في الدفاع عن الثوابت الدينية والوطنية، وترسيخًا لثقافة الوفاء لأجيال صنعت تاريخ المغرب بدمائها وتضحياتها.