مجتمع

رواية أبوبيس ،سقوط الثقة: اللحظة التي ابتلع فيها أبوبيس الرجل الطيب

الجريدة العربية – مكتب الرباط

الحلقة الرابعة

 

في كل ثلاثاء، تواصل الجريدة العربية تقديم حلقات أبوبيس، هذا العمل السردي الذي يكشف خبايا النفس البشرية ويميط اللثام عن صراعات خفية خلف الوجوه الهادئة. ومع الفصل الرابع، نلج عالما تتقاطع فيه الطيبة مع الخيانة، حيث يصبح البيت ساحة اختبار، والثقة جسرا هشا يعاد تشكيله تحت وطأة المكر. إنه فصل يضع القارئ أمام مواجهة مباشرة مع سؤال مؤلم: كيف يمكن لرجل طيب أن يتحوّل ضحية لابتسامة مطمئنة تخفي وراءها دهاء لا يرحم.

الفصل الرابع : خيانة الرجل الطيب

كان صاحب البيت رجلاً طيبًا، هادئ الطباع، يثق بالناس كما يثق الطفل بمياه الينابيع. أعطى أبوبيس بيته دون تحفظ، على أساس أن يكون جاره الصادق، المستأجر الأمين، وأن يحافظ على الثقة التي وُضعت في يده.

لكن أبوبيس لم يرَ الأمر على هذا النحو. كان يرى المال كأداة، والبيت مجرد منصة ليتسع فوقها، ليختبر قدرته على السيطرة. بدأ بالتساهل أولًا: تأجيل دفع الكراء أسبوعًا، ثم أسبوعين، ثم شهرًا كاملًا. كان يبتكر أعذارًا، يختلق ظروفًا، ويضحك داخليًا على بساطته التي تجعل كل حيلة تمر بسلاسة.

تراكمت المبالغ: عام ونصف العام من الكراء، بالإضافة إلى مصاريف الماء والكهرباء، كلها تحت قبضته، تنتظر منه أن يقرر بين الوفاء أو الابتلاع. لم يشعر بالندم، بل بالمتعة. كل رسالة يرسلها له صاحب البيت، كل زيارة للضغط عليه، كانت بالنسبة لأبوبيس لعبة ذكاء، تختبر حدود صبره وحدود قدرته على المناورة.

وفي أحد الأيام، جاء صاحب البيت لزيارته، وجهه متجهم، عيناه تبحثان عن أي علامة على الاحتيال. جلس على الأريكة، أخذ نفسًا طويلًا، وقال بهدوء: “أبوبيس… لم تعد الأمور هينة، الكراء متأخر أكثر من عام، والمصاريف تتراكم. أنت تعرف أن هذا ظلم.”

ابتسم أبوبيس ابتسامة مبرّرة، وأجاب كما لو كان البرئ: “أعلم، وربما يبدو الأمر كبيرًا… لكن تعرف أن الظروف أحيانًا تضغط علينا، وأعدك أنني سأدفع، فقط امنحني بعض الوقت.”

كانت كلماته زجاجية، شفافة، لكنها قوية بما يكفي لتؤجل الغضب، وتبقي الثقة معلقة على حافة الخديعة. كان يشاهد الصبر يتلاشى من عيني صاحب البيت، لكنه يبتعد عن الحقيقة بخطوة واحدة، يتركه يعتقد أنه جاد، بينما كل فلس في جيبه.

لم يكن مجرد المال هو هدف الخيانة، بل الاختبار: هل يمكنه قلب ثقة الرجل الطيب إلى شعور بالخذلان، وإثبات أنه يستطيع استخدام كل شيء لأجل نفسه؟ كان يراقب كل حركة، يدرس كل نظرة، ويستمتع بالتحكم في هذا الصديق القديم للبيت، الذي أصبح في النهاية مجرد قطعة على رقعة شطرنج كبيرة.

حين قرر صاحب البيت أخيرًا أن يطالب بحقوقه، جاءت اللحظة الحاسمة. قدم له مفاتيح البيت، وقال بوضوح: “لقد منحناك فرصة كافية، والآن ستسترجع المنزل. لا مزيد من الأعذار.

تقدم أبوبيس، أخذ المفاتيح، ابتسم داخليًا، وأدرك أنه انتصر. ليس على المال، بل على الصبر والثقة، وعلى قدرة الناس الطيبين على رؤية ما يحدث قبل أن يفقدوا الثقة.

وفي تلك الليلة، بينما أغلق الباب خلفه صاحب البيت، جلس أبوبيس وحده يستعيد تفاصيل كل خطوة، كل كذبة، كل ابتسامة مزيّفة. شعر بقوة غريبة، لكنها كانت مشوبة بشيء من الفراغ الداخلي. كان يعلم أنه أخطو خطوة أخرى على الطريق الطويل، وأنه بدأ يشكل نفسه على صورة “أبوبيس” الذي لا يعرف الرحمة، الذي يستغل حتى الطيبين لتحقيق أهدافه

زر الذهاب إلى الأعلى