
جويليقة… حين يتحول الفراغ إلى وهم قيادة، وخوف من المُحاسبة
العربية – مكتب الرباط
الحلقة الثانية
في الحلقة الثانية من سلسلة تتبع واقع التدبير داخل هذه الجماعة القروية، يزداد اقتناع الساكنة بأن “جويليقة” لا يعيش فقط وهم الذكاء، بل أصبح أسيراً لصورة متخيلة عن نفسه كرئيس استثنائي ومنتخب قادر على التسيير والتدبير، بينما تكشف الوقائع اليومية محدودية تكوينه وضعف قدرته على قيادة جماعة تعاني هشاشة مزمنة واختلالات متراكمة.
فالرجل، الذي لا يتجاوز مستواه الدراسي التعليم الإعدادي، يحاول باستمرار الظهور بمظهر “المثقف” و”الخبير” في تدبير الشأن العام، ويتعامل بتعالٍ واضح مع من حوله، رافضاً حتى مجرد الإشارة إلى مستواه التعليمي الحقيقي، وكأن قيمة المسؤول تقاس بالمظاهر والخطابات المنتفخة لا بالكفاءة والنتائج الميدانية.
لكن الواقع، كما يقول أبناء الجماعة، لا يرحم. فسنوات توليه الرئاسة لم تأتِ بتنمية حقيقية، ولم تحمل تغييراً ملموساً في حياة الساكنة. الطرق ما تزال متربة ومهترئة، والدواوير تعيش العزلة نفسها، ولا مشاريع تبليط أو تهيئة تذكر، كما أن شبكة الكهرباء لم تعرف أي توسع حقيقي يواكب حاجيات المواطنين، بل إن أعمدة الإنارة الموجودة أصلاً في الشارع الرئيسي يتم إطفاؤها قبل أن يخلد السكان إلى النوم، في مشهد يلخص حجم العبث وسوء التدبير.
وإذا كان الرئيس يكثر من الحديث عن “الترافع” و”الدفاع عن حقوق الساكنة”، فإن المواطنين يتساءلون: أين نتائج هذا الترافع؟ وأين هي المشاريع التي غيرت وجه الجماعة؟ فالخطابات الرنانة لا تعبّد الطرق، ولا توفر فرص الشغل، ولا تنهي معاناة العالم القروي مع التهميش.
غير أن ما يبدو أن “جويليقة” قد نجح فيه فعلاً، بحسب ما يتداوله السكان، هو توجيه بعض المشاريع والمصالح نحو دائرته الخاصة، والاستفادة من النفوذ الجماعي لخدمة مصالحه الشخصية والعائلية. ومن بين الوقائع التي تثير الكثير من الجدل داخل الجماعة، الحديث عن تسخير سيارة الجماعة لنقل كميات من الفصة “البرسيم” بغرض بيعها في السوق المحلية، في استعمال يطرح أكثر من علامة استفهام حول استغلال وسائل وممتلكات عمومية لأغراض خاصة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تتحدث مصادر محلية عن استفادة زوجته من مشروع يتعلق بالأفرنة في كواليس مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في وقت يؤكد فيه عدد من المواطنين أن فرص الاستفادة الحقيقية لا تصل دائماً إلى الفئات الأكثر استحقاقاً، بل تتحكم فيها أحياناً منطق العلاقات والقرب من دوائر النفوذ.
إن الساكنة اليوم لم تعد تنخدع بخطابات التباهي والاستعراض، لأنها تقارن الوعود بالواقع، والشعارات بحياة الناس اليومية. وحين تغيب التنمية، وتستمر الهشاشة، وتتراكم الشبهات حول استغلال النفوذ، يصبح من حق المواطنين مساءلة المنتخبين ومطالبتهم بتوضيح كيفية تدبير المال العام والمشاريع العمومية.
وفي ظل تزايد حالة الاحتقان والاستياء وسط الساكنة، كشفت مصادر محلية أن فعاليات مدنية وحقوقية شرعت بالفعل في إعداد ملف متكامل قصد توجيهه إلى المجلس الأعلى للحسابات، يتضمن معطيات ووثائق ووقائع مرتبطة بشبهات تبذير المال العام وتوجيهه في غير الأهداف المخصصة له، إلى جانب ما تعتبره هذه الفعاليات اختلالات في تدبير بعض المشاريع والوسائل الجماعية.
وترى هذه الجهات أن المرحلة تقتضي فتح تحقيق جدي وشفاف في عدد من الملفات التي أثارت جدلاً واسعاً داخل الجماعة، خاصة في ظل استمرار مظاهر الهشاشة والتهميش وضعف البنيات الأساسية، مقابل تنامي الحديث عن استفادات خاصة وتوظيف محتمل للنفوذ لخدمة مصالح ضيقة.
وفي حلقات قادمة، سيتم التطرق إلى معطيات أخرى مرتبطة بطريقة تدبير الجماعة، وعلاقة الرئيس ببعض المشاريع والامتيازات، في إطار نقاش عمومي مسؤول يهدف إلى كشف حقيقة الأوضاع وربط المسؤولية بالمحاسبة.