
تحويل 420 مليون درهم إلى “شركة الرباط للتهيئة” يثير جدلاً سياسياً حول الشفافية وتدبير المال العام
الجريدة العربية
عاد الجدل حول حكامة تدبير المشاريع الكبرى بمدينة الرباط إلى الواجهة، بعدما صادق المجلس الجماعي للعاصمة خلال دورة ماي الأخيرة على اتفاقية تقضي بتحويل مبلغ ضخم يناهز 420 مليون درهم لفائدة شركة الرباط للتهيئة، المكلفة بإنجاز عدد من مشاريع التهيئة الحضرية بالعاصمة. القرار، الذي مرّ بأغلبية داخل المجلس، فجّر موجة انتقادات من طرف المعارضة، التي اعتبرت أن العملية تطرح أسئلة حقيقية حول آليات الرقابة والشفافية في صرف الأموال العمومية، وحدود الدور الرقابي للمنتخبين داخل المؤسسات الجماعية.
وبحسب المعطيات الواردة في الاتفاقية، فإن الكلفة الإجمالية للمشاريع المبرمجة تصل إلى حوالي 420,350 مليون درهم شاملة للضرائب، على أن تتحمل جماعة الرباط كامل التمويل، فيما ستتكلف شركة “الرباط تهيئة” بالإشراف على تنفيذ الأشغال المتعلقة بإعادة التهيئة الحضرية بعدد من الفضاءات والمرافق بالعاصمة.
غير أن النقطة التي فجّرت النقاش داخل المجلس الجماعي تتعلق بطريقة تحويل الاعتمادات المالية، إذ تنص الاتفاقية على صرف المبلغ كاملاً دفعة واحدة مباشرة بعد التوقيع، عبر تحويله إلى حساب خاص بالمشروع مفتوح لدى الخزينة العامة للمملكة باسم الشركة. هذا المعطى اعتبره منتخبون من المعارضة “سابقة مثيرة للقلق”، بالنظر إلى غياب تفاصيل دقيقة حول طبيعة المشاريع المزمع إنجازها، وكذا غموض المعايير المرتبطة بتتبع صرف هذه الاعتمادات الضخمة.
وفي هذا السياق، عبّر المستشار الجماعي عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، عمر الحياني، عن رفضه لما وصفه بـ”تفريغ المجلس الجماعي من صلاحياته الرقابية”، مؤكداً أن الاتفاقية لا تتضمن لائحة واضحة للمشاريع المعنية ولا جدولة دقيقة لطرق صرف الأموال، وهو ما يضعف ـ حسب تعبيره ـ قدرة المنتخبين على تتبع التنفيذ ومساءلة الجهات المكلفة بالتدبير.
وأشار الهياني، في مداخلة أثارت تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن منطق تحويل مئات الملايين دفعة واحدة دون آليات صارمة للمراقبة المرحلية يفتح الباب أمام مزيد من الضبابية في تدبير المال العام، خاصة في ظل تنامي الاعتماد على شركات التنمية المحلية في تدبير مشاريع المدن الكبرى بالمغرب.
ولا يقف الجدل عند هذه الاتفاقية فقط، بل يمتد إلى نقاش أوسع يرتبط بدور شركات التنمية المحلية داخل النموذج التدبيري الجديد للمدن المغربية. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت هذه الشركات إلى فاعل مركزي في تنزيل المشاريع الحضرية الكبرى، خصوصاً في الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش، حيث أوكلت إليها مهام مرتبطة بالبنيات التحتية، والتنقل الحضري، والتهيئة، وحتى مراقبة بعض خدمات التدبير المفوض.
وفي هذا الإطار، صادق مجلس جماعة الرباط خلال الدورة نفسها على اتفاقية ثانية بين الجماعة وولاية جهة الرباط سلا القنيطرة، تمنح لشركة “الرباط تهيئة” مهمة مراقبة تنفيذ عقود التدبير المفوض الخاصة بشركات النظافة. خطوة أثارت بدورها انتقادات المعارضة، التي اعتبرت أن المجلس الجماعي يتخلى تدريجياً عن اختصاصاته الدستورية والقانونية لفائدة شركة شبه عمومية لا تخضع لنفس مستويات المساءلة السياسية المباشرة.
ويرى متابعون أن هذا النقاش يعكس إشكالاً أعمق يتعلق بعلاقة الجماعات الترابية بشركات التنمية المحلية، خاصة مع تضخم ميزانياتها واتساع مجالات تدخلها. ففي الوقت الذي تدافع فيه الأغلبية المسيرة عن هذا النموذج باعتباره أكثر نجاعة ومرونة في تنفيذ المشاريع الكبرى وتسريع وتيرة الإنجاز، تعتبر المعارضة أن الأمر قد يتحول إلى آلية للالتفاف على الرقابة الديمقراطية والمؤسساتية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحويلات مالية ضخمة لا تمر عبر مساطر تفصيلية دقيقة داخل المجالس المنتخبة.
ويأتي هذا الجدل في سياق يشهد فيه المغرب توسعاً كبيراً في مشاريع إعادة تأهيل المدن استعداداً لمواعيد قارية ودولية كبرى، وعلى رأسها تنظيم كأس إفريقيا 2025 والاستعدادات المرتبطة بمونديال 2030، ما يفرض تسريع وتيرة الأشغال والبنيات التحتية. غير أن هذا التسارع يرافقه، في المقابل، نقاش متصاعد حول ضرورة تعزيز آليات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بتدبير مليارات الدراهم من الأموال العمومية.
وبين من يعتبر شركات التنمية المحلية رافعة حديثة لتحديث المدن المغربية، ومن يرى فيها فضاءً رمادياً يضعف الرقابة المؤسساتية، يبقى ملف “الرباط تهيئة” نموذجاً جديداً للصراع المتواصل بين منطق السرعة في الإنجاز ومتطلبات الشفافية والمحاسبة في تدبير الشأن العام المحلي.