أخبار محلية

بين وهم المثقف وواقع التدبير: حين تتحول الجماعة الترابية إلى واجهة للتعليمات لا للتنمية

الجريدة العربية -مكتب الرباط

الحلقة الأولى

يبدو أن بعض رؤساء الجماعات الترابية القروية يعيشون حالة من الانفصال عن الواقع، إذ يعتقدون أنهم بلغوا مرتبة “المثقف الذكي” القادر على صناعة القرار وقيادة التنمية، بينما تكشف الممارسة اليومية، والتدبير المرتبك، وضعف التواصل مع الساكنة، عن صورة مختلفة تماماً؛ صورة مسؤول تحركه حسابات ضيقة، وتوجهه تعليمات فوقية أكثر مما تحركه إرادة سياسية مستقلة أو رؤية تنموية حقيقية.

ومن بين هذه النماذج، يبرز اسم “جويليقة” كرئيس جماعة قروية يحرص على الظهور بمظهر الرجل الحازم والفاعل، ويتباهى في المجالس واللقاءات بما يعتبره “إنجازات”، في حين يدرك المتتبعون للشأن المحلي أن كثيراً مما يُنسب إليه لا يصدر عن قناعة شخصية أو اجتهاد ذاتي، بل يدخل ضمن تنفيذ تعليمات جاهزة لا يملك معها هامشاً واسعاً للاعتراض أو النقاش. وهنا تطرح الساكنة سؤالاً جوهرياً: أين هو دور المنتخب إذا كان مجرد منفذ لتوجيهات الغير؟

إن أخطر ما يمكن أن تعيشه الجماعات القروية ليس فقط ضعف الإمكانيات، بل وجود مسؤولين يفتقرون إلى الجرأة السياسية والاستقلالية في القرار، ويكتفون بلعب أدوار ثانوية تخدم أجندات سياسية أو مدنية معينة، مقابل المحافظة على مواقعهم ومصالحهم الضيقة. فالمسؤول الحقيقي هو من يدافع عن كرامة الساكنة وحقوقها، لا من يتحول إلى أداة لتصفية الحسابات أو تلميع صورة جهات أخرى.

وعند العودة إلى الواقع الميداني للجماعة الترابية التي يسيرها المعني بالأمر، تتضح الهوة الكبيرة بين الخطاب والواقع. فالدواوير ما تزال ترزح تحت وطأة الهشاشة والفقر والعزلة، والبنيات التحتية تعاني التهميش، والخدمات الأساسية تعيش اختلالات مزمنة، بينما تتزايد شكاوى المواطنين من تدهور أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، في مشهد يعكس فشل السياسات المحلية في تحقيق الحد الأدنى من التنمية والعدالة المجالية.

لقد تحولت بعض المناطق التابعة لهذه الجماعة إلى فضاءات منسية؛ طرق مهترئة، خصاص في الماء والخدمات، ضعف فرص الشغل، وغياب رؤية حقيقية للنهوض بالعالم القروي، في مقابل انشغال الرئيس ومن يدور في فلكه بحسابات التموقع والاستعراض الإعلامي ومحاولة تسويق الوهم للناس.

وإذا كان البعض يحاول تقديم هذا المسؤول باعتباره “رجلاً استثنائياً”، فإن الوقائع اليومية، وشهادات الساكنة، وحجم التذمر الشعبي، كلها تؤكد أن الجماعة تعيش أزمة تدبير حقيقية، وأن لغة التباهي لا يمكنها أن تخفي مظاهر الفشل المتراكمة.

إن المرحلة المقبلة تقتضي فتح نقاش جدي حول واقع التدبير المحلي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والقطع مع عقلية المنتخب الذي يعتبر الجماعة مجالاً للنفوذ الشخصي أو لتنفيذ الإملاءات، بدل أن تكون مؤسسة لخدمة المواطنين وتحقيق التنمية.

وفي حلقات لاحقة، يمكن التوقف عند عدد من الاختلالات والتجاوزات التي يعرفها تدبير الشأن المحلي بهذه الجماعة، انطلاقاً من معطيات موثقة وشهادات ميدانية، بهدف وضع الرأي العام أمام حقيقة الأوضاع بعيداً عن الشعارات الفارغة وخطابات التلميع.

يتبع…

زر الذهاب إلى الأعلى