
المغرب: ناشرو الصحف يشيدون بقرار مجلس حقوق الإنسان ويجلدون قانون وزارة الاتصال
الجريدة العربية – محمد حميمداني
في تطور جديد يعكس حدة الخلاف القائم بين الحكومة المغربية ومهنيي القطاع الصحافي. أشادت “الفيدرالية المغربية لناشري الصحف” بالمذكرة الصادرة عن “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” في شأن “مشروع القانون رقم 22.20” لإعادة تنظيم “المجلس الوطني للصحافة”. مجددة، في الوقت نفسه، رفضها القاطع للمشروع الحكومي. معتبرة إياه “مخالفا للدستور” و”مناقضا لأسس التنظيم الذاتي للصحافة”.
وهكذا فقد أشادت “الفدرالية” بمذكرة “المجلس الوطني لحقوق الإنسان”، ذات الصلة ب”مشروع القانون الخاص بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة”. موجهة سهام النقد للحكومة ومشروعها. معتبرة إياه يضربفي العمق الأسس الدستورية للمملكة وحق الصحافيين في التنظيم الذاتي والتكريس الفعلي لاستقلالية الصحافة.
وكان “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” قد دعا لإفراز تمثيلية “ديمقراطية متوازنة للمهنيين. تعتمد إطارا حقوقيا مرجعيا يمكن الاستناد إليه في مثل هذه القوانين”.
وبناء على هاته المقتضيات، طالبت “الفدرالية” “مجلس المستشارين”، الذي يتداول في المشروع حاليا. ووزارة الاتصال والحكومة لأخذ توصيات “مجلس حقوق الإنسان” بعين الاعتبار. داعية ل“مراجعة المشروع أو إعادة الحوار مع المهنيين وفق القوانين والأعراف ذات الصلة”.
وفي سياق متصل، وجهت “الفيدرالية” دعوة لكافة الفرقاء، من نقابات الصحافيين وهيئات الناشرين. لمواجهة هاته “القرارات الانفرادية للحكومة”. مؤكدة انخراطها في ”الدينامية المهنية والمدنية الواسعة التي تشكلت رفضا للقانون وانتصارا للديمقراطية وحرية التعبير”.
ورفضت “الفدرالية” المشروع الحكومي لإعادة تنظيم “المجلس الوطني للصحافة” المقدم. معتبرة إياه مخالفا “للدستور ولأسس التنظيم الذاتي للصحافة وللأفق الديمقراطي الذي تتطلع إليه البلاد”.
ونقلت دعوة لكافة مكونات الجسم المهني والمنظمات الحقوقية والقوى السياسية والنقابية والجمعوية للوحدة على قاعدة رفض المشروع. مؤكدة أن الحكومة تجد “نفسها في عزلة أمام رفض مهني ومجتمعي واسع” للمشروع.
تجدر الإشارة أن “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” أصدر مذكرة طالب من خلالها رآسة “مجلس النواب”، بتعزيز تمثيلية الناشرين والصحافيين داخل المجلس عبر التمثيل النسبي. وإلغاء منطق “الفائز يستحوذ على جميع المقاعد”.
وأوصى “المجلس” بتوزيع المقاعد على أكثر من تنظيم وفق الشروط المتاحة. مع اعتماد نمط انتخاب باللائحة لضمان تمثيل أوسع ينسجم مع تنوع الجسم الصحافي.
كما أوصت المذكرة بتعزيز الاستقلالية المؤسسية “للمجلس الوطني للصحافة والنشر”. وتقليص تدخل السلطة التشريعية وفي المقابل توسيع نطاق حرية التعبير بما يكفله الدستور المغربي والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المملكة.
أكد الرأي الاستشاري للمجلس الوطني لحقوق الإنسان في رأيه الاستشاري، الذي جاء بناء على طلب من رئيس مجلس النواب المغربي. والذي تشكل إطارا حقوقيا مرجعيا. على ضرورة ضمان تمثيلية ديمقراطية متوازنة للمهنيين، أي بين ناشري الصحف والصحافيين. واعتماد نظام “التمثيل النسبي”. وهو ما ينهي منطق “الفائز يستحوذ على جميع المقاعد”.
ودعت المذكرة أيضا لتعزيز الاستقلالية المؤسسية للمجلس الوطني للصحافة. من خلال تقليص تدخل السلطة التشريعية في تشكيلته وعمله. فضلا عن توسع نطاق حرية التعبير ليكون متوافقا مع الضمانات الدستورية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب. ضمنها “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”.
يأتي هذا الصراع في سياق السجال الدائر حول حدود التنظيم الذاتي للصحافة مقابل تدخل الدولة. ارتباطا ب”الفصل 28 من الدستور المغربي” الذي ينص على أن “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية”. وأيضا “القانون رقم 90.13″، المتعلق بالصحافة والنشر. الذي يؤطر ممارسة العمل الصحافي. مضافا إليه الرأي الاستشاري “للمجلس الوطني لحقوق الإنسان” المنتقد للمشروع الحكومي والمقدم لبدائل لتشكيلة المجلس.
تجدر الإشارة أيضا أن “المجلس الوطني للصحافة” هيئة مهنية، تم إنشاؤه ليكون تجسيدا لفكرة “التنظيم الذاتي” للصحافة. أي بعيدا عن وصاية الدولة المباشرة. وقد حدد له المشرع مهمة النظر في الشكاوى المتعلقة بانتهاكات أخلاقيات المهنة. إضافة للمساهمة في تطوير العمل الصحافي. إلا أن طريقة تشكيله ودرجة استقلاليته كانتا دائماً محل نقاش بين الحكومة والمهنيين.
خطوة الحكومة ووزارة الاتصال تضعها في مخالفة صريحة “للفصل 25 من الدستور المغربي”. الذي ينص على أن “حرية الفكر والرأي مضمونة بكل أشكالها”. وأيضا “للفصل 28”. المؤكد على أن حرية الصحافة لا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية.
فلا حديث عن وجود ديمقراطية بدون صحافة حرة مستقلة. ولا عن صجافة حرة مع وجود بيئة تخنق فيها الحكومات النقد وتتحكم في تدفق المعلومات. وبالتالي فإن هذا الصراع المتفجر يعكس بجلاء رغبة الحكومة في الهيمنة على مفاصل المشهد الإعلامي. وفي المقابل تفجر إصرار قوي من المهنيين على بناء نموذج ديمقراطي قائم على الاستقلالية والحكامة الجيدة. فيما تشكل مذكرة “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” ورقة ضغط مهمة قد تعيد الحكومة إلى طاولة الحوار. أو تعمق من أزمة الثقة في ظل استمرار القرارات الانفرادية.