اقتصاد

المغرب بين استقرار أسعار الحليب وارتفاع أسعار اللحوم: معضلة تهدد مستقبل الفلاحين

الجريدة العربية 

 

على بعد كيلومترات قليلة من مدينة خنيفرة، يعيش مربو الأبقار مفارقة واضحة، حيث سعر الحليب الخام يظل شبه ثابت منذ سنوات، بينما تكاليف الإنتاج ترتفع وأسعار اللحوم الحمراء تتجاوز 120 درهماً للكيلوغرام. هذه الوضعية تعكس هشاشة توازن قطاع الألبان الوطني، القائم أساساً على صغار المربين والتعاونيات، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة تكاليف علف وأدوية ويد عاملة لا تتوقف عن الارتفاع، دون مقابل عادل في أثمان البيع.

ورغم بيع نصف لتر الحليب المبستر بـ4,50 دراهم، لا يستفيد المنتج سوى بالقليل، إذ يذهب أكثر من 40% من القيمة النهائية إلى الوسطاء. أما الحليب UHT، فيباع بأكثر من 10 دراهم للتر، بينما لا يتجاوز ثمن اقتنائه من المصنع 7 دراهم. وهو اختلال هيكلي يضعف ربحية الفلاحين.

الاعتماد المتزايد على استيراد مسحوق الحليب من أوروبا زاد من تعقيد الوضع، حيث استورد المغرب سنة 2023 ما يقارب 34.650 طناً تعادل 346 مليون لتر، ما أدى إلى إغلاق تعاونيات وخروج مربين من السوق بعد اضطرارهم لبيع ماشيتهم بأثمان زهيدة. وفي المقابل، تراجع القطيع الوطني إلى نحو 3,06 ملايين رأس، وهو رقم غير كافٍ لتلبية الطلب، ما يفسر استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء.

هذا وتتدخل الدولة والفيدراليات المهنية للحفاظ على استقرار سعر الحليب في السوق، عبر تعليق بعض الرسوم ودعم الأعلاف واستيراد العجلات والمواد الأساسية. كما رُصدت برامج لإعادة تكوين القطيع وتحسين الإنتاجية، في أفق رفع الإنتاج الوطني من 2,5 إلى 3,5 مليارات لتر سنوياً بحلول 2030، مع تحسين مردودية البقرة الواحدة من 3000 إلى 4500 لتر.

لكن رغم هذه الجهود، يرى الخبراء أن السعر الحالي للحليب الخام، في حدود 5 دراهم للتر، غير كافٍ لإنعاش القطاع أو إعادة الثقة للمربين، الذين يطالبون برفعه إلى 6 دراهم على الأقل. وفي ظل استمرار ارتفاع تكاليف الأعلاف والجفاف وتراجع الحيازات الصغيرة، يخشى المهنيون أن يؤدي الضغط المستمر إلى مزيد من انسحاب الفلاحين، مما سيجعل المغرب أكثر تبعية للواردات ويهدد الأمن الغذائي الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى