
القضاء يوزع 18 سنة سجنا لرجال درك في سطات في ضربة قوية لشبكات الفساد
الجريدة العربية – محمد حميمداني
قضت محكمة الاستئناف ب”سطات” بأحكام سجنية نافذة بلغت 18 عاما موزعة على تسعة عناصر من الدرك الملكي بالمغرب. وذلك بعد إدانتهم بتهم تتعلق بـ”التستر على مهرب مخدرات” و”الإخلال بواجبات المرفق العام”. في حكمٍ يعتبر من السوابق القضائية غير المألوفة داخل المؤسسة العسكرية المغربية.
هذا القرار القضائي، وفق مراقبين، يجسد تحولا نوعيا في مسار محاربة الفساد الإداري والأمني، وهو ما يعكس الإرادة الفعلية لتكريس مبدأ استقلالية القضاء وسيادة القانون.
خلفية الملف وأسس الإدانة
تعود فصول القضية لتحقيق معمق باشرته المصالح الأمنية والتقنية المتخصصة تحت إشراف النيابة العامة المختصة. بعد الاشتباه في وجود علاقة تجمع بعض عناصر الدرك الملكي بمهرب مخدرات ينشط في المنطقة.
وقد التحريات تتبع المكالمات الهاتفية وتحليل البيانات الرقمية عبر تقنيات متطورة. وهو ما مكن من رصد شبكة اتصالات مشبوهة، كشفت تورط بعض العناصر في التستر على أنشطة غير قانونية مقابل منافع مادية.
وبحسب صك المتابعة، فإن المتهمين أخلوا بواجب القسم العسكري، وخالفوا مقتضيات “الظهير الشريف رقم 1.57.280″، الصادر في 14 ربيع الأول 1378 (29 شتنبر 1958). بشأن النظام الأساسي العام للعسكريين. الذي ينص على ضرورة “الالتزام بالنزاهة، والطاعة، والقيام بالواجب دون مساومة أو تهاون”. كما استندت المحكمة لمقتضيات القانون الجنائي المغربي المجرم لفعل “الارتشاء واستغلال النفوذ والإخلال بالواجبات الوظيفية”.
رسالة العدالة: لا أحد فوق القانون ويده تطال الجميع
يحمل الحكم الصادر رسالة قوية موجهة من السلطة القضائية مفادها أن العدالة لا تستثني أحدا، وأن محاربة الفساد داخل الأجهزة الأمنية تمثل خطًّا أحمر في مسار بناء دولة الحق والقانون.
وفي هذا السياق، أكد مراقبون أن هذا القرار يعيد الاعتبار لصورة المؤسسة العسكرية، باعتبارها جهازا قائما على الانضباط والنزاهة. كما أنه يعزز ثقة المواطنين في استقلالية القضاء المغربي بعد الإصلاحات العميقة التي عرفها “القانون التنظيمي رقم 100.13″، المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
حكم يعكس التطبيق العملي ل”مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة” الدستوري الذي يجرم كل أشكال الانحراف في تدبير الشأن العام. كما أنه يظهر وجود إرادة سياسية واضحة في تخليق الحياة العامة. وهو صفعة قوية موجهة لكل من يتلاعب بقدسية القسم العسكري. وتأكيد على ترسيخ قيم الشفافية والمراقبة الداخلية في صفوف الأجهزة الأمنية، حماية لهيبة الدولة وثقة المواطنين.
تأكيد على إصلاح العدالة وتعزيز النزاهة
شهد المغرب منذ عام 2011 مسارا متصاعدا في إصلاح منظومة العدالة. بدءا من “ميثاق إصلاح منظومة العدالة” عام 2013. مرورا بإحداث “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها”. وصولا إلى “القانون رقم 46.19” الذي عزز آليات الحكامة والمساءلة.
كما أصدرت رئاسة النيابة العامة عدة دوريات، أبرزها “الدورية رقم 20/2019″ المشددة على ضرورة التصدي الصارم لأي تواطؤ بين رجال السلطة أو الأمن مع شبكات التهريب والفساد المالي. انطلاقا من الإيمان بأن أي مجتمع لا يمكن أن ينهض ما دام هناك من يحمي الفساد.
هذا الحكم التاريخي الصادر عن محكمة الاستئناف ب”سطات” يؤشر على مرحلة جديدة من الصرامة القضائية في مواجهة الفساد. مؤكدا أن هيبة القانون فوق كل اعتبار. فمع تصاعد مطالب الشفافية والمساءلة، يبقى التحدي الأكبر هو ترسيخ ثقافة النزاهة المؤسسية وضمان عدم تكرار مثل هذه الحالات داخل الأجهزة المكلفة بفرض القانون.