السفيرٌ غائب… ولكن الطلاء حاضر: الجزائر تُجمّل واجهتها الدبلوماسية بالرباط وقلوبها مشحونة بالعداء

الجريدة العربية – بوجافة العرابي *

في مشهد لا يخلو من تناقض صارخ، شهد مبنى السفارة الجزائرية بالرباط خلال الأيام الأخيرة أعمال ترميم وتنظيف وصباغة للجدران، في خطوة أثارت العديد من علامات الاستفهام في أوساط الرأي العام المغربي والدولي. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من القرار الأحادي والمجاني للنظام العسكري الجزائري بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في غشت 2021، تعود “الأنفاس الباردة” من الجارة الشرقية، لا على شكل مبادرة حسن نية، بل عبر أدوات الطلاء والفرشاة، كأنها محاولة لتجميل وجه دبلوماسي باهت فقد مصداقيته.

وبينما يواصل المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، تجديد دعواته إلى تغليب منطق الحوار وتجاوز الخلافات المفتعلة – وآخرها كان في خطاب العرش لهذه السنة – يبدو أن النظام الجزائري مستمر في عبثه السياسي، حبيس عقلية الحرب الباردة وشعارات “العدو الوهمي” الذي يبرر به فشله الداخلي وتناقضاته الجيوسياسية.

إن أعمال الترميم الجارية على مبنى مغلق منذ قرار القطيعة، لا يمكن أن تُفهم إلا في سياقين اثنين: إما أنها محاولة لبعث رسائل رمادية تحت غطاء الصيانة العقارية، أو أنها مجرد حركة دعائية فارغة، تسعى بها الجزائر إلى التمويه على المجتمع الدولي بأن علاقاتها مع المغرب “غير ميتة”، رغم أنها هي من أعلن القطيعة وأغلق الأبواب وسدّ الحدود الجوية والبرية.

فحتى وسائل الإعلام الجزائرية، المحسوبة على أذرع السلطة، هرعت لتقزيم دلالة ما يجري، متذرعة بحجج “الحفاظ على الممتلكات العمومية”، وهي محاولة فاشلة للهرب من واقع أن هذه البناية الدبلوماسية باتت شاهدة على عزلة دبلوماسية جزائرية مطبقة في محيطها المغاربي، بل وفي إفريقيا برمّتها.

إن قطع العلاقات، وتحريك الملفات العدائية، ورعاية كيانات وهمية، والتحريض الإعلامي الممنهج… كلها عناصر لا يمكن أن تُغسل بفرشاة دهان ولا بتنظيف واجهة بناية. فالنظام الجزائري، الذي ما يزال يُمارس سياسة الهروب إلى الأمام، هو من يرفض اليد الممدودة من المغرب، وهو من يقف حجر عثرة أمام أي تقارب مغاربي حقيقي.

إن الحديث عن “مؤشرات تقارب” في ظل غياب أي موقف رسمي صريح من الجزائر، ليس سوى وهم لا يليق أن يُنسج حول حركات شكلية لا تسمن ولا تغني من دبلوماسية. فالقضية ليست في تجديد طلاء سفارة، بل في تجديد نية سياسية صادقة، وهو ما لا يتوفر لدى من يصر على عدائه للمملكة المغربية الشريفة وملكها الهمام و شعبها الأبي المضياف ، ويستمر في تمويل الانفصال وتأجيج التوترات.

في المقابل، يواصل المغرب تأكيده على منطق الحوار والاحترام المتبادل والتعاون الإقليمي، إيمانًا منه بأن وحدة المنطقة المغاربية ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات العصر، لا شعارًا يُوظف في الخطابات الجوفاء. ومواقف المملكة، بقيادة جلالة الملك، ظلت متزنة وواضحة، تدعو إلى تجاوز منطق القطيعة والاصطفاف الأيديولوجي الذي عفا عليه الزمن.

إن ما يجري في واجهة السفارة الجزائرية بالرباط لا يمكن اعتباره تحولا في الموقف الرسمي، بل أقصى ما يمكن وصفه به أنه مناورة شكلية لامتصاص الانتقادات المتزايدة التي تُوجه للنظام الجزائري بسبب جمود مواقفه وتعطيله لأي انفراج مغاربي ممكن.

إنّ الترميم الحقيقي الذي تحتاجه الجزائر ليس في طلاء واجهة سفارتها بالرباط، بل في ترميم العقلية السياسية البالية التي تحكم منطق تعاملها مع الجوار. ولن يكون لأي مبادرة وزن أو معنى ما لم تسبقها نية صادقة، وخطوات ملموسة، تعترف بالوضع الإقليمي الجديد، وبالسيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية، بعيدًا عن أوهام انفصالية تصنعها جنرالات تقتات من ملفات التوتر.


* بوحافة العرابي :
Exit mobile version