الحركة الشعبية تنفرد بدعم تسقيف أسعار المحروقات وتأميم “لاسامير”.. وامتناع الاتحاد الاشتراكي يفتح نقاشا حول تحولات اليسار المغربي

الجريدة العربية -الرباط

شكلت جلسة التصويت التي احتضنها مجلس المستشارين بشأن مقترحي قانون تسقيف أسعار المحروقات وتأميم شركة “لاسامير” لحظة سياسية لافتة، ليس فقط بسبب إسقاط المقترحين بأغلبية الأصوات، وإنما أيضاً بسبب التباين الواضح في مواقف الأحزاب والنقابات إزاء ملفين يلامسان بشكل مباشر القدرة الشرائية للمواطنين ومستقبل الأمن الطاقي للمملكة.

وفي وقت اختارت فيه أغلبية مكونات المجلس إسقاط المقترحين، برز الفريق الحركي باعتباره الفريق الحزبي الوحيد الذي صوت لصالحهما، إلى جانب نقابات الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، في موقف اعتبره متابعون انسجاماً مع المطالب الداعية إلى ضبط أسعار المحروقات وإعادة فتح النقاش حول مستقبل مصفاة “لاسامير”.

في المقابل، استأثر موقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بنصيب مهم من الجدل السياسي، بعدما اختار الامتناع عن التصويت على المقترحين، وهو قرار أثار تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية والنقابية بشأن موقع الحزب من القضايا الاجتماعية التي ظلت لعقود تشكل جزءاً من هويته السياسية وخطابه التاريخي.

ويرى متابعون أن امتناع حزب ارتبط اسمه تاريخياً بالدفاع عن العدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية للفئات المتوسطة والطبقات الشعبية يحمل دلالات سياسية تتجاوز مجرد الموقف الإجرائي داخل المؤسسة التشريعية، خاصة أن الملفين المطروحين يرتبطان مباشرة بتداعيات ارتفاع أسعار المحروقات وبمطلب إعادة تشغيل منشأة صناعية استراتيجية ظلت في صلب النقاش العمومي خلال السنوات الأخيرة.

ولم يقتصر الجدل على موقف الاتحاد الاشتراكي وحده، إذ أثار تصويت الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذراع النقابية لحزب الاستقلال داخل مجلس المستشارين، ضد المقترحين نقاشاً موازياً حول مدى الانسجام بين الخطاب السياسي والممارسة التشريعية. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه حزب الاستقلال التأكيد في مختلف مواقفه وتصريحاته على ضرورة حماية القدرة الشرائية للمواطنين والتصدي للمضاربة والاختلالات التي تعرفها بعض الأسواق.

ويعتبر مقترح تسقيف أسعار المحروقات من بين أبرز المبادرات التشريعية التي طُرحت خلال السنوات الأخيرة بهدف الحد من تأثير التقلبات السعرية على المستهلكين، خصوصاً في ظل الارتفاعات المتتالية التي عرفتها أسعار الطاقة وما ترتب عنها من انعكاسات مباشرة على تكاليف المعيشة والنقل والإنتاج.

أما مقترح تأميم شركة “لاسامير”، فقد أعاد إلى الواجهة النقاش المستمر حول مستقبل المصفاة الوحيدة لتكرير البترول بالمغرب، والدور الذي يمكن أن تضطلع به في تعزيز الأمن الطاقي الوطني وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم.

ويرى عدد من المراقبين أن نتائج التصويت كشفت عن مفارقات سياسية لافتة داخل المشهد الحزبي والنقابي المغربي، حيث وجدت بعض التنظيمات نفسها في موقع مغاير لما تعلنه من شعارات ومواقف مرتبطة بالدفاع عن القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية، بينما اختارت الحركة الشعبية الاصطفاف بشكل واضح إلى جانب المقترحين رغم إدراكها المسبق لصعوبة تمريرهما داخل المجلس.

وبينما أسدل مجلس المستشارين الستار على المقترحين بإسقاطهما بالأغلبية، فإن النقاش الذي فجّرته مواقف الأحزاب والنقابات مرشح للاستمرار، خصوصاً في ظل تنامي المطالب الاجتماعية المرتبطة بأسعار المحروقات وضرورة إيجاد حلول مستدامة لملف “لاسامير”، بما يضمن التوازن بين متطلبات السوق وحماية المصالح الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.

وفي المحصلة، لم يكن التصويت على المقترحين مجرد محطة تشريعية عابرة، بل تحول إلى اختبار سياسي حقيقي كشف حدود التوافق بين الخطاب والممارسة، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول أولويات الفاعلين الحزبيين والنقابيين عندما يتعلق الأمر بملفات ذات تأثير مباشر على الحياة اليومية للمغاربة.

Exit mobile version