الجريدة العربية
جعلت مدريد من المغرب أحد أبرز مرتكزات استراتيجيتها الجديدة للدبلوماسية العامة، في تحول يعكس المكانة المتنامية التي باتت المملكة تحتلها في حسابات الحضور الإسباني على الساحة الدولية. فبين التعليم والثقافة والتعاون الإقليمي والدبلوماسية الرياضية، يظهر المغرب شريكاً محورياً في عدد من الأدوات التي تراهن عليها إسبانيا لتعزيز صورتها وتوسيع نفوذها وبناء جسور جديدة مع محيطها المتوسطي والإفريقي.
وفي أول استراتيجية إسبانية للدبلوماسية العامة للفترة 2026-2028، التي قدمها وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس، تسعى مدريد إلى تحويل الدبلوماسية العامة إلى رافعة أساسية لتعزيز نفوذها الدولي، من خلال توظيف اللغة والثقافة والتعليم والاقتصاد والرياضة والتعاون الدولي في بناء صورة أكثر حضوراً وتأثيراً لإسبانيا عبر العالم.
ورغم أن الوثيقة لا تخصص فصلاً مستقلاً للمغرب، فإن الإشارات المتعددة إليه تكشف بوضوح موقعه المتقدم في التصور الإسباني الجديد. فالمملكة لا تظهر فقط باعتبارها جاراً استراتيجياً على الضفة الجنوبية للمتوسط، بل أيضاً كمنصة لشراكات ومبادرات متعددة، تمتد من التعليم والثقافة إلى التعاون الإقليمي وتنظيم الأحداث الرياضية الكبرى.
المغرب.. أكبر قاعدة للتعليم الإسباني خارج الحدود
ومن أبرز المعطيات التي تبرز في الاستراتيجية الجديدة، المكانة التي يحتلها المغرب ضمن شبكة التعليم الإسباني في الخارج.
وتشير الوثيقة إلى أن جزءاً مهماً من المؤسسات التعليمية الإسبانية العمومية خارج البلاد يتركز في المغرب، ما يجعل المملكة أكبر قاعدة للشبكة المدرسية الإسبانية الدولية. ويندرج هذا الحضور ضمن منظومة تعليمية عالمية تتيح سنوياً تدريس اللغة الإسبانية لملايين التلاميذ في آلاف المؤسسات عبر القارات الخمس، بمساهمة آلاف المدرسين.
وتنظر مدريد إلى هذا الانتشار التعليمي باعتباره أحد أكثر أدوات الدبلوماسية العامة فعالية واستدامة، بالنظر إلى دوره في نقل اللغة والثقافة والقيم الإسبانية إلى الأجيال الجديدة، وبناء روابط طويلة الأمد مع المجتمعات والبلدان التي تستقبل هذه المؤسسات.
كما تبرز الاستراتيجية برامج أخرى، من قبيل الأقسام الثنائية اللغة، والمدارس المشتركة، وبرامج مساعدي المحادثة، والتبادل الجامعي، باعتبارها أدوات تساهم في تعزيز الحضور الثقافي والتعليمي الإسباني على الصعيد الدولي.
مونديال 2030.. منصة لتعزيز الشراكة بين أوروبا وإفريقيا
ويحتل المغرب أيضاً موقعاً مركزياً في محور الدبلوماسية الرياضية، خصوصاً من خلال تنظيم كأس العالم 2030، الذي ستحتضنه إسبانيا والبرتغال والمغرب.
وترى مدريد في هذا الحدث الرياضي العالمي فرصة استثنائية لتعزيز حضورها الدولي، وتقديم المونديال باعتباره نموذجاً غير مسبوق للتعاون بين ثلاث دول تنتمي إلى فضاءات جغرافية وثقافية مختلفة.
وتعتبر الاستراتيجية الإسبانية أن البطولة يمكن أن تتحول إلى منصة عالمية للتعاون والانفتاح والحوار بين أوروبا وإفريقيا، بما يتجاوز بعدها الرياضي ليشمل أبعاداً دبلوماسية وثقافية واقتصادية واسعة.
كما تبرز الوثيقة مشاركة المغرب في عدد من آليات التعاون الإقليمي، من بينها مؤسسة «كازا ميديتيرانيو»، التي تعمل على تعزيز الحوار بين دول حوض المتوسط، إلى جانب مؤسسة آنا ليند والاتحاد من أجل المتوسط.
وتشمل هذه المبادرات أنشطة تنظم في عدد من المدن، من بينها مدينة تطوان، وتهدف إلى تعزيز التبادل الثقافي والوساطة بين الثقافات، فضلاً عن تطوير مشاريع مرتبطة بالاقتصاد الأزرق والتنقل والتعاون الإقليمي.
المغرب في قلب رؤية إسبانيا كجسر بين القارات
وعلى نطاق أوسع، تقدم مدريد نفسها باعتبارها قوة قادرة على لعب دور الجسر بين أوروبا والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وإفريقيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وشبكاتها اللوجستية، وبنياتها التحتية، وروابطها الطاقية، فضلاً عن تنامي علاقاتها الإنسانية والثقافية والاقتصادية مع دول جنوب المتوسط.
وفي ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، وتصاعد التنافس على التأثير، وانتشار حملات التضليل وصراع الروايات، تراهن إسبانيا على اللغة والثقافة والتعليم وجاذبيتها الاقتصادية وتراثها وأحداثها الدولية الكبرى لتعزيز صورتها في الخارج.
وفي هذا التصور الجديد، يبرز المغرب باعتباره واحداً من أكثر الشركاء حضوراً في أدوات الدبلوماسية العامة الإسبانية، وشريكاً لا يقتصر دوره على الجوار الجغرافي، بل يمتد إلى بناء نفوذ إسباني أوسع في الفضاء المتوسطي والإفريقي والدولي.
