سياسة

الجزائر تبحث عن الأوكسجين في القارة السمراء: دبلوماسية التيه وسباق اليائسين نحو “اللا شيء”

 الجريدة العربية – ذ. بوحافة العرابي *

في خطوة يائسة لخلع عباءة العزلة الدولية، تتجه الجزائر بكل ثقلها نحو القارة الإفريقية، محاولة إعادة إنعاش دبلوماسيتها المتآكلة من خلال زيارات رسمية واستعراضات إعلامية لا تُخفي حقيقتها: نظام يبحث عن مشروعية خارجية بعدما فقدها داخليًا وخارجيًا.

آخر مشهد في هذه المسرحية السياسية تمثّل في استقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لنظيره الزيمبابوي إيمرسون منانغاغوا يومي 19 و20 يوليوز، في زيارة رسمية اختتمت بتوقيع مذكرات تفاهم واتفاقات اقتصادية. لكن خلف هذه الواجهة الملمعة، يظهر جليًا أن الجزائر تحاول يائسة ترميم صورة دبلوماسية باتت منهكة، وسط تصدعات في علاقاتها مع أوروبا وعديد من دول اسيا و الدول العربية ، حيث اتضح تخبط في مواقفها حيال الحليف الروسي ومجموعة “فاغنر”، ناهيك عن الصورة القاتمة للجزائر في مجموعة البريكس وعرقلة انضمامها للمجموعة من طرف قوى كبرى .

حين تجتمع الجزائر وزيمبابوي، فالأمر لا يتعلق بتحالفات استراتيجية بقدر ما هو تلاقي بين أنظمة تبحث عن طوق نجاة. نظامان يفتقران إلى الشرعية السياسية والاقتصادية يحاولان إيهام العالم بـ”تفاهمات عميقة” و”علاقات تاريخية”. الحقيقة أن ما يجمع البلدين هو تقاطع أزمات داخلية مزمنة، وفساد مؤسساتي، وعلاقات خارجية متشنجة.

ففي ظل توتر العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وفتور متزايد مع فرنسا و إسبانيا ، وتراجع الحضور الدبلوماسي على الساحة الدولية، تسعى الجزائر إلى تعويض خسائرها عبر “تلميع” حضورها داخل إفريقيا.

جولات الرئيس تبون في مصر وتونس وموريتانيا وإثيوبيا، والزيارات المتبادلة مع رؤساء رواندا وجنوب إفريقيا، ليست سوى أوراق دبلوماسية تُحرَّك اضطراراً لا اقتداراً، في محاولة لخلق “جبهة دعم” داخلية في القارة توازي عزوف أوروبا عن التعامل مع نظام يعيش على حافة الانفجار.

فشل الوساطة و”وهم القيادة” : جزائر قريبة من الفشل بعيدة عن التميز

حتى محاولة الجزائر الأخيرة لعب دور “الوسيط” في أزمة مالي باتت مثار سخرية دبلوماسية، في وقت أغلقت فيه حكومة باماكو أبوابها في وجه أي مبادرة جزائرية، وفضّلت تحالفات أكثر فاعلية مع جهات إقليمية وازنة. أما في ليبيا، فقد أضاعت الجزائر نفوذها لصالح قوى أكثر براغماتية، فيما تحولت الحدود الجنوبية إلى خاصرة رخوة لا تسيطر عليها الدولة بقدر ما تتحكم فيها شبكات التهريب والمليشيات العابرة للحدود.

في مقابل هذه العثرات، تواصل الدبلوماسية المغربية حصد النجاحات على كل الجبهات: من واشنطن إلى بروكسيل، ومن أبوجا إلى كيغالي. حضور مغربي ذكي ومتوازن يُترجم إلى استثمارات استراتيجية وشراكات موثوقة، في وقت تكتفي فيه الجزائر بخطابات أيديولوجية وتوقيع “مذكرات نوايا” لا تسمن ولا تغني من عزلة.

الجزائر لا تعيد رسم خريطة تحالفاتها كما تزعم، بل تحاول تجميل عزلة فرضتها خياراتها الخاطئة. والدبلوماسية، كما هو معلوم، لا تُبنى على صور الكاميرات وبلاغات المجاملة، بل على قوة الاقتصاد، ورشادة القرار السياسي، وثقة الشركاء. وكلها عناصر لا تملكها الجزائر اليوم. حيث يبدو أن الجزائر تعاكس بوصلة الزمن ، و الرهان على “قارة اليائسين” لن يعيد نظاما متأزما إلى الواجهة ….


*  ذ. بوحافة العرابي : باحث أكاديمي في مجال الصحافة والإعلام الاجتماعي والسياسي، كاتب صحفي مقيم بأوروبا، يشغل منصب رئيس هيئة التحرير و مدير النشر بالجريدة العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى