الإفراج عن بوعلام صنصال: سقوط الحجة الأمنية بين باريس والجزائر وارتدادها على السلطة الجزائرية

الجريدة العربية

 

لم يكن الإفراج عن الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال حدثًا عابرًا في المشهد المغاربي والدبلوماسي، ولا حتى الثقافي، بل محطة كاشفة لما تخفيه السياسة الجزائرية من تناقضات في تعاملها مع الأصوات الحرة. فبعد أكثر من عام من الاعتقال، أُعلن يوم أمس الأربعاء 12 نوفمبر 2025 عن إطلاق سراح صنصال بقرار رئاسي، ليتوجّه مباشرة إلى برلين لتلقي العلاج. هذا التطور، وإن قُدِّم بلبوس إنساني، إلا أنه يعكس فشل المقاربة الأمنية الجزائرية التي لجأت إلى القمع بدل الحوار، وأظهرت أن الحجة الأمنية يمكن أن تتحول إلى عبء ثقيل على أصحابها.

اعتقال بسبب الكلمة والموقف من الصحراء المغربية

الكاتب صنصال لم يُعتقل بسبب جريمة أو تحريض، بل نتيجة مواقفه الواضحة المؤيدة للوحدة الترابية للمملكة المغربية واعترافه بسيادتها الكاملة على أقاليمها الجنوبية، وهو موقف عبر عنه مرارًا في كتاباته وتصريحاته. هذا الموقف شكّل إحراجًا كبيرًا للسلطة الجزائرية التي ما زالت تعتبر قضية الصحراء أداة سياسية داخلية وخارجية، فاختارت كعادتها المقاربة الأمنية كوسيلة لإسكات كل صوت مخالف.

لكن هذا الخيار الأمني لم يؤدِّ سوى إلى مزيد من العزلة الأخلاقية والسياسية للنظام الجزائري، بعدما أصبحت قضية الكاتب الفرنكوجزائري بوعلام صنصال تثير موجة تضامن واسعة من الأوساط الأدبية والحقوقية في أوروبا والعالم العربي، التي رأت في اعتقاله استهدافًا لحرية الفكر والرأي.

دروس من حادثة صنصال: عندما ينقلب القمع على أصحابه

  1. انهيار الحجة الأمنية: لقد أثبتت هذه الواقعة أن الخطاب الأمني الذي تستعمله الجزائر لتبرير الاعتقالات لم يعد يقنع أحدًا، وأن اللجوء إلى السجن لمعاقبة الفكر لا يحقق استقرارًا ولا هيبة للسلطة الحاكمة .
  2. الوساطة الألمانية كإنقاذ للوجهين: التدخل الهادئ لبرلين مكّن من تسوية تحفظ ماء الوجه لكل الأطراف، وتجنّب الجزائر المزيد من الإحراج الدبلوماسي أمام الرأي العام الدولي.
  3. انكشاف البعد السياسي للقضية: الإفراج عن صنصال جاء بعد ضغوط متزايدة، لا سيما بعد أن تحوّل الملف إلى اختبار حقيقي لمصداقية الخطاب الحقوقي الجزائري الذي يرفع شعارات الحريات بينما يضيق بها في الممارسة.

فرنسا والجزائر بين مراجعة المواقف وامتحان القيم

على الجانب الفرنسي، فقد أظهرت هذه الحادثة الإنسانية و الأخلاقية، محدودية نهج الصرامة الفرنسي في التعامل مع الجزائر. أما من الجهة الجزائرية، فقد كشفت عن تناقض صارخ بين الخطاب والسياسة، إذ تم الزج بكاتب لمجرد دفاعه عن حقيقة ثابتة تتمثل في المغربية الكاملة للصحراء، في وقتٍ يحتاج فيه المغرب العربي إلى مزيد من الحوار والتعاون بدل زرع الخصومة والانقسام.

إفقضية الكاتب بوعلام صنصال لم تختزل فقط مأساة كاتب حر، بل كشفت حدود المقاربة الأمنية الجزائرية التي لم تعد قادرة على إخفاء فشلها في التعامل مع الفكر المختلف، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالموقف من الوحدة الترابية للمملكة المغربية. حيث انقلبت طلاسيم الحجة الأمنية على أصحابها، وأضحى الإفراج عن صنصال شاهدًا على أن الكلمة الحرة لا تُسجن، وأن كلمة الحق التي تعكس أفكار العامة و الخاصة بسيادة المغرب على صحرائه حقيقة راسخة لا يغيرها الاعتقال ولا الرقابة، بل تثبتها الأيام ومواقف الشجعان.

Exit mobile version