الجريدة العربية – طاطا
الحلقة الأولى
في ركنٍ قصي من خريطة الجنوب الشرقي، حيث يفترض أن تُصاغ نماذج تنموية تليق بانتظارات الساكنة، تبدو جماعة طاطا وكأنها تُدبر بمنطق “دبر راسك”، لا بمنطق السياسات العمومية. أربع سنوات مرت من الولاية الانتدابية، لكنها في ميزان الإنجاز أقرب إلى “سنوات عجاف”، لا يسمع فيها سوى صدى الوعود، بينما الواقع يقول: “والو ما تبدل، غير الهضرة اللي تزادت”.
الحديث عن حصيلة المجلس الجماعي بطاطا لم يعد مجرد تقييم سياسي عابر، بل تحول إلى مادة يومية للنقاش وسط الشباب، الذين لم يُخفوا سخطهم مما وصفوه بـ”الإقصاء الممنهج” و”العبث في التسيير”. فبين خطاب رسمي يَعد، وواقع ميداني يُكذب، تتسع فجوة الثقة، إلى حد أصبحت معه كلمة “تنمية” أقرب إلى شعار انتخابي منها إلى مشروع قابل للتحقق.
بعد أزيد من أربع سنوات، لا تكاد العين تلتقط مشاريع مهيكلة تُغير ملامح الجماعة، باستثناء تدخلات متفرقة، وُصفت في لغة الشارع بـ”الترقيع”: إصلاح هنا، ترقيع هناك، و”صوّر ونشّر” في مواقع التواصل. أما الأثر الحقيقي، فغائب أو يكاد.
المجلس، في نظر متتبعين، يفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة، تُؤطر تدخلاته وتُنسق أولوياته. فالتنمية ليست مجرد إسفلت يُفرش، ولا أعمدة إنارة تُغرس، بل هي تصور متكامل يعالج الاجتماعي والاقتصادي والبيئي في آن واحد.
غير أن ما يحدث، وفق تعبير أحد الشباب، هو أن “كلشي خدام بوحدو، بلا خطة، بلا انسجام… غير اللي بان ليه يدير شي حاجة يديرها”. وهي صورة تختزل غياب المقاربة التشاركية، وضمور ثقافة الإصغاء للساكنة.
في شوارع طاطا، لا تحتاج إلى تقارير رسمية لتقف على الاختلالات؛ يكفي أن تمشي قليلا لتجد نفسك أمام “خريطة طرقية” غير صالحة للاستعمال: حفر متناسلة، طرقات مهترئة، وبرك مائية تُحوّل التنقل إلى مغامرة يومية.
الطريق إلى تغرمت، الشارع الرئيسي بتكنيت، ومقاطع نحو دوار السونح… ليست مجرد نقاط سوداء، بل علامات بارزة على خلل عميق في تدبير البنية التحتية.
أما أزقة “المارشي”، فتكفي تساقطات خفيفة أو حتى تسربات بسيطة لتحويلها إلى برك آسنة، في مشهد يختزل هشاشة شبكات تصريف المياه. وهنا، لا يتوقف الأمر عند الإزعاج، بل يمتد إلى خنق النشاط التجاري وإضعاف جاذبية الفضاء الاقتصادي.
في زمن تُقاس فيه المدن بمدى احترامها لسلامة مستعملي الطريق، تبدو بعض شوارع طاطا خارج هذا التصنيف. غياب أو ضعف علامات التشوير، خاصة في أحياء مثل القصبة، يحوّل السياقة إلى مغامرة مفتوحة على كل الاحتمالات.الأمر هنا لا يتعلق بتفصيل تقني بسيط، بل بأمن يومي للمواطنين، في ظل تزايد حركة السير وغياب تنظيم بصري واضح.
لا تقف الإشكالات عند حدود التنفيذ، بل تمتد إلى طبيعة الاختيارات التقنية نفسها. ففي عدد من الأزقة، خصوصاً بدواوير مثل السونح وأكني وتكنيت، يطرح السكان تساؤلات مشروعة حول جدوى “الأسفلت” في فضاءات تحتاج إلى “التبليط”، الأكثر ملاءمة لطبيعتها.
هنا، يظهر غياب التشخيص المسبق، وكأن المشاريع تُنفذ بمنطق “جرب وشوف”، لا بمنطق الدراسة والتخطيط.
أحد أبرز الانتقادات الموجهة للتدبير الحالي، هو الارتهان لما يُعرف بـ”سندات الطلب”، كآلية لمعالجة اختلالات بنيوية.لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن فعلا إصلاح بنية تحتية متدهورة عبر تدخلات جزئية ومحدودة؟ أم أن الأمر يتطلب مشاريع مهيكلة برؤية شمولية؟
الجواب، في نظر كثيرين، واضح: “الترقيع ما عمرو يبني مدينة”
لا يمكن عزل الوضع الحالي عن سياق أوسع، طبعته صراعات سياسية وحسابات انتخابية ضيقة، جعلت من تدبير الشأن المحلي ساحة لتصفية الحسابات، بدل أن يكون ورشا للتنمية.ومع كل استحقاق، تُعاد نفس الوجوه، ونفس الوعود، ونفس السيناريو… وكأن المدينة عالقة في حلقة مفرغة.
اليوم، لم يعد الرهان إصلاح حفرة هنا أو إنارة شارع هناك، بل إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة. إلى أن يتحقق ذلك، ستظل الحفر شاهدة، والبرك ذاكرة، والوعود مؤجلة… وسيظل السؤال معلقا:
متى تتحول التنمية من شعار إلى واقع… ومن خطاب إلى أثر يرى ويلمس؟
يتبع…
