الجريدة العربية – محمد حميمداني
في لحظة تاريخية امتزجت فيها السياسة بالشعر، استشهد الرئيس الفرنسي، “إيمانويل ماكرون” بالشاعر الفلسطيني الراحل، “محمود درويش”. وذلك خلال خطاب ألقاه في “الأمم المتحدة” بمناسبة مؤتمر “حل الدولتين”. معلنا خلاله اعتراف فرنسا الرسمي بدولة فلسطين.
استحضار الرئيس الفرنسي، “إيمانويل ماكرون” بالشاعر الفلسطيني الكبير “محمود درويش”، لم يكن حدثا عابرا بل ذا دلالة كبيرة وعميقة. خاصة وأنه ارتبط بفلسطين والاعتراف بالدولة الفلسطينية.
قال ماكرون: إن “هذا الاعتراف تأكيد على أن الشعب الفلسطيني ليس شعبا زائدا عن الحاجة، بل هو الشعب الذي لا يقول وداعا لأي شيء”. مستحضرا قول الشاعر الفلسطيني الكبير “محمود درويش”: “شعب قوي بتاريخه وبجذوره وبكرامته”.
وقد اعتبر مراقبون، أن خطاب “ماكرون” واستحضاره للراحل “درويش” حمل بعدا إنسانيا وثقافيا إلى جانب الموقف السياسي. رابطا بين الاعتراف بدولة فلسطين والبعد الإنساني العميق في أشعار الشاعر الفلسطيني الراحل “محمود درويش” كعنوان لشاعر استحضر فلسطين ودافع عنها بالقلم وبروح الانتماء للأرض والإنسان.
وأكد المراقبون أن هذا الاستحضار ل”درويش” في خطاب “ماكرون” ليس عفويا. بل تأكيد واع بأن الاعتراف الفرنسي بدولة فلسطين يتجاوز البعد الدبلوماسي إلى البعد الثقافي وما تحمله القضية الفلسطينية من رمزية كونية.
استحضار “ماكرون” ل”درويش” في خطابة عرف تفاعلا كبيرا من قبل وسائل الإعلامية العالمية ورسائل دعم واسعة. في لحظة تم وصفها بالتاريخية والرمزية المواكبة للاعتراف بدولة فلسطين.
تجدر الإشارة إلى أن الشاعر الفلسطيني “محمود درويش”، “1941ـ2008”. يعتبر من أبرز شعراء فلسطين والعالم العربي. كما يمثل رمزا كبيرا وعنوانا ساطعا لفلسطين وللثقافة الفلسطينية المكافحة المتشبثة بالبحر وغصز الزيتون وأحلام العودة، وأيضا الشعر الإنساني المعاصر.
دلالات حضور “درويش” عبر “ماكرون”
يأتي هذا الاعتراف في إطار تحول دبلوماسي كبير في الموقف الفرنسي. حيث أصبحت “فرنسا” واحدة من أكبر الدول الأوروبية اعترافا بدولة فلسطين.
فالرئيس الفرنسي تعمد استحضار روح القضية الفلسطينية ولسان حالها “درويش” في خطاب الاعتراف. وذلك بغاية ترسيخ قاعدة إنسية جديدة تقطع مع الظلم والمجازر وتعيد إحياء القيم الإنسية التي حملتها الثورة الفرنسية وفلسفة الانوار.
فالخطاب أكد على حتمية تعزيز الشرعية الثقافية والتاريخية للقرار السياسي. إضافة لربط الاعتراف بالبعد الإنساني والهوية الفلسطينية. فضلا عن تأكيد عمق الرمزية الفلسطينية في الوجدان العالمي.
فحضور “محمود درويش” أيقونة الشعر الفلسطيني والعربي، ومعلما من معاصري المقاومة الثقافية. في خطاب “ماكرون” في خطاب الاعتراف بدولة فلسطين، أكد مسيرة من الصمود المطلي بالدمع والمتشبع بالأمل في الحياة النابعة من قلب “عاشق من فلسطين”، كما رسمت معالمه إحدى إبداعات الصادرة عام 1966. وقوة حضور “درويش” من خلال قصيده “لا تعتذر” الصادرة عام 2004، كما في الخطاب الذي ألقاه “ماكرون” المازج بين روح الحضور من خلال قوة الانتماء للأرض وللإنسان.
موقف “فرنسا” أراده “ماكرون” متعمدا أن يمزج بين الحضور الحياة لفلسطين وشعبها والظلم التاريخي الذي عاشه الشعب الفلسطيني على الرغم من الشرعية الدولية التي تساند إرادة الحياة لدى هذا الشعب. ضمنه القرار الأممي 242، المؤكد على عدم شرعية الاستيلاء على الأراضي بالقوة. وقرار “الجمعية العامة للأمم المتحدة 67/19” لعام 2012، الذي منح فلسطين صفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة.
فاستشهاد “ماكرون” ب”درويش” تأكيد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية سياسية فقط، بل قضية إنسانية وثقافية. وهو ما يمثل لحظة انتصار للثقافة على السياسة، عندما يصبح الشعر وثيقة هوية.
تجدر الإشارة أيضا أن القصيدة التي استشهد بها ماكرون هي “لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي”، التي كتبها “محمود درويش” عام 2007. والتي تقول:
“أنا لستُ من يذهبون ولا من يقولون وداعا لأي شيء،
أنا ابنُ ما سيكونُ، ابنُ النهاياتِ التي لا تنتهي”.
