الجريدة العربية
توجه جديد لحماية الثروة العقارية الوطنية إذ تسارع الدولة المغربية خطواتها نحو تعزيز تدبير وحماية رصيدها العقاري الهائل الذي يمتد على مساحة تناهز 12 مليون هكتار، في إطار مقاربة جديدة تهدف إلى تحسين حكامة العقار العمومي وضمان استغلاله بشكل أكثر فعالية لخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمملكة.
ويشكل العقار العمومي أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تمتلكها الدولة، بالنظر إلى دوره المحوري في احتضان المشاريع الاستثمارية الكبرى، وتطوير البنيات التحتية، وإنجاز المناطق الصناعية واللوجستية، فضلاً عن مساهمته في تنفيذ السياسات العمومية المرتبطة بالإسكان والتجهيزات الجماعية والخدمات الأساسية.
وتسعى السلطات العمومية إلى إرساء منظومة أكثر صرامة وفعالية في تدبير هذا الرصيد العقاري الضخم، عبر تعزيز عمليات الجرد والتحيين الرقمي للمعطيات العقارية، وضبط الوضعيات القانونية للأراضي التابعة للدولة، بما يضمن حماية الملك العمومي من مختلف أشكال الاستغلال غير القانوني أو الترامي أو سوء التدبير.
ويأتي هذا التوجه في سياق تنامي أهمية العقار باعتباره عنصراً حاسماً في جذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية. فمع تزايد الطلب على الأراضي المخصصة للمشاريع الصناعية والطاقية والسياحية، بات من الضروري توفير قاعدة عقارية واضحة ومؤطرة قانونياً تسمح بتسريع إنجاز المشاريع الاستراتيجية وتسهيل ولوج المستثمرين إلى العقار في ظروف شفافة ومنظمة.
كما يهدف هذا الورش إلى تعزيز مردودية الأصول العقارية العمومية وتحويلها إلى أداة أكثر نجاعة في دعم النمو الاقتصادي. فبدلاً من بقاء أجزاء واسعة من الأراضي العمومية غير مستغلة أو ذات مردودية محدودة، تعمل الدولة على توجيه هذه الأوعية العقارية نحو مشاريع ذات قيمة مضافة قادرة على خلق فرص الشغل وتحريك عجلة الاستثمار.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح العقار العمومي يحتل موقعاً مركزياً في مختلف الأوراش التنموية الكبرى التي أطلقتها المملكة، سواء في مجال الطاقات المتجددة أو المناطق الصناعية الجديدة أو مشاريع البنيات التحتية الضخمة، وهو ما جعل مسألة تدبيره تخضع لمتطلبات أكثر دقة وصرامة لضمان الاستغلال الأمثل لهذه الثروة الوطنية.ويؤكد خبراء الاقتصاد والعقار أن تحسين حكامة الأراضي العمومية من شأنه أن يساهم في الحد من النزاعات العقارية، وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع، وتعزيز الثقة لدى المستثمرين، فضلاً عن دعم جهود الدولة الرامية إلى تحقيق تنمية متوازنة بين مختلف جهات المملكة.
ويرتقب أن تساهم الإجراءات الجديدة في توفير رؤية أوضح حول الخريطة العقارية الوطنية، وتسهيل اتخاذ القرار بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات العمومية، في وقت يراهن فيه المغرب على الاستثمار والإنتاج الصناعي والبنيات التحتية كرافعات أساسية لتحقيق أهدافه التنموية خلال السنوات المقبلة.وفي ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة والتنافس الدولي المتزايد على استقطاب الاستثمارات، يبدو أن الدولة المغربية اختارت جعل العقار العمومي أحد أهم أدواتها الاستراتيجية لضمان استدامة التنمية وتحقيق أكبر استفادة ممكنة من رصيد عقاري يعد من بين الأكبر على الصعيد الوطني.
