الجريدة العربية – رضوان ادليمي
في خضم الزخم الإعلامي الذي يرافق نهائيات كأس إفريقيا المقامة بالمغرب، يفرض الواقع نفسه بقوة: تنظيم محكم، استقبال في المستوى، وبنية تحتية وخدمات تنال إشادة الوفود والجماهير على حد سواء. غير أن هذا النجاح الباهر يجد نفسه، محاطا بسيل من الأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة التي حاولت، عن قصد أو غير قصد، التشويش على صورة الحدث وعلى البلد المنظم.
فبين حديث عن ظروف عادية لا تسنده الوقائع، وادعاءات عن انقطاع للكهرباء لم يحدث إلا في مخيلة أصحابها، مرورا بمغالطات جغرافية فجة تزعم أن منشآت رياضية قلب العاصمة تبعد عشرات الكيلومترات عن وسطها، وصولا إلى معطيات مناخية غير صحيحة تزعم غياب الأمطار عن مدن مغربية لسنوات طويلة, تتكشف، أمام المتابع صورة مقلقة عن مستوى بعض الخطاب الإعلامي المرافق للتظاهرة.
الأخطر في الأمر أن هذه الأخبار لا تصدر عن حسابات هامشية أو صفحات مجهولة، بل عن أصوات تقدم على أنها صحافية ومهنية، تشتغل باسم مؤسسات إعلامية معروفة في بلدانها. ورغم أن التصحيح كان سريعا، وموثقا بالصورة والفيديو والشهادات الحية، إلا أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا التصحيح جاء في الغالب من مدونين وصناع محتوى ويوتوبرات، لا يحملون صفة مبعوثين رسميين، لكنهم أبانوا عن حس مهني أعلى، ودقة أكبر في نقل المعلومة.
لقد كشفت كأس إفريقيا بالمغرب، بما لا يدع مجالا للشك، أن الإعلام البديل لم يعد مجرد هامش أو رديف، بل أصبح فاعلا حقيقيا في المراقبة والتدقيق والتصحيح، بل وفضح الزيف حين يستدعي الأمر. في المقابل، عرت التظاهرة ضعفا مقلقا لدى بعض من يفترض فيهم الالتزام بأبجديات المهنة: التحقق، الموضوعية، واحترام ذكاء المتلقي.
وإذا كان تنظيم المغرب للحدث القاري قد حظي بإشادة رسمية من الاتحاد الإفريقي وضيوف البطولة، فإن المعركة الحقيقية التي انكشفت على الهامش هي معركة المصداقية الإعلامية. معركة بيّنت أن الاحتراف لا يُقاس ببطاقة اعتماد ولا باسم المؤسسة، بل بصدق المعلومة، ودقة النقل، واحترام أخلاقيات المهنة.
بهذا المعنى، لا تكتفي الكرة في الملاعب بفضح المستويات التقنية، بل تمتد لتفضح أيضا مستويات الخطاب المرافق لها. وفي مغرب كأس إفريقيا، اتضح أن كثيرا من صناع المحتوى كانوا أكثر التزاما ومسؤولية من بعض المراسلين القادمين من الخارج. حقيقة قد تكون صادمة للبعض، لكنها باتت اليوم جزءا من واقع إعلامي جديد, واقع يقول إن المهنية تمارس، ولا تدعى.
