الجريدة العربية
لم تكن كأس أمم إفريقيا 2025، التي احتضنها المغرب، مجرد تظاهرة رياضية كبرى، بل تحوّلت – شاء من شاء وأبى من أبى – إلى مسرح مفتوح لحرب معلوماتية غير مسبوقة، استهدفت صورة البلد المنظم أكثر مما استهدفت نتائج المباريات أو مجريات المنافسة. فمنذ الأسابيع الأولى التي سبقت صافرة الانطلاق، بدا واضحًا أن الرهان لم يكن رياضيًا خالصًا، بل سياسيًا ورمزيًا بامتياز.
ما جرى خلال كأس أمم إفريقيا 2025 يكشف بوضوح أن نجاح المغرب في تنظيم حدث قاري بهذا الحجم لم يُقابل فقط بالإشادة المتوقعة، بل استدعى أيضًا ردّ فعل مضادًا، اتخذ شكل حملات تشويه رقمية، وأخبار زائفة، وسرديات مفبركة، جرى ضخّها بشكل متزامن ومدروس عبر منصات التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية الخارجية. الهدف لم يكن النقد المهني أو رصد الاختلالات – وهي ممارسة مشروعة ومطلوبة – بل تقويض الثقة، وبث الشك، وخلق انطباع دائم بأن التنظيم المغربي كان محلّ ريبة، حتى في غياب أي أدلة ملموسة.
بدأت هذه الحرب الناعمة مبكرًا، عبر التشكيك في قدرة المغرب على احتضان البطولة من الأساس، ثم تطورت إلى ترويج فيديوهات مزيفة منسوبة لقنوات دولية كبرى، قبل أن تنتقل إلى مرحلة أكثر خبثًا: الإيحاء بأن التحكيم موجّه، وأن الأمن هش، وأن التنظيم خاضع لمنطق “البلد المضيف المستفيد”. لم تكن هذه الادعاءات مدعومة بوقائع ثابتة، لكنها استندت إلى التكرار، وهو السلاح الأخطر في حروب المعلومات.
الأخطر من ذلك أن هذه السرديات لم تبقَ حبيسة الحسابات المجهولة، بل تسللت إلى خطاب رسمي لبعض الأطراف، وإلى منصات إعلامية يفترض فيها الالتزام بالتحقق والتوازن. حادثة استقبال المنتخب السنغالي قبل النهائي مثال صارخ: واقعة لوجستية عادية جرى تضخيمها وتحميلها دلالات سياسية وأمنية، قبل أن يتم التراجع عنها جزئيًا، بعد أن يكون الضرر الرمزي قد تحقق بالفعل.
هذه الدينامية تكشف أن المغرب لم يكن مستهدفًا بسبب “سوء التنظيم”، بل بسبب نجاحه. فبلد يراكم الثقة القارية والدولية، ويستثمر في البنية التحتية، ويستعد لاحتضان تظاهرات كبرى بحجم كأس العالم 2030، يصبح تلقائيًا هدفًا لمحاولات الإرباك والتشويش. في الجغرافيا السياسية للرياضة، الصورة لا تقل أهمية عن الواقع، ومن يخسر معركة السرديات قد يخسر الكثير، حتى لو كان الواقع في صالحه.
الدروس المستخلصة من كأس أمم إفريقيا 2025 تتجاوز كرة القدم. نحن أمام إنذار واضح: المعارك القادمة لن تُخاض فقط في الملاعب أو قاعات الاجتماعات، بل في الفضاء الرقمي، حيث تُصنع الانطباعات وتُدار الحملات وتُشوَّه الحقائق بسرعة الضوء. وإذا لم يبادر المغرب إلى بناء خطاب تواصلي استباقي، محترف، ومتعدد اللغات، فإن خصومه سيفعلون ذلك نيابة عنه، وبمنطق لا يخدم مصالحه.
الرهان اليوم ليس الدفاع الانفعالي، بل الانتقال إلى منطق القوة الهادئة: سرد الوقائع، توثيق الإنجازات، الرد الذكي دون السقوط في الاستقطاب، وبناء شبكة إعلامية قادرة على مواجهة التضليل في مهده. فكأس أمم إفريقيا 2025 انتهت، لكن معركة الصورة لم تنتهِ بعد. وما بعد 2025، وصولًا إلى 2030، لن يكون سوى أكثر حساسية وتعقيدًا فدول كثيرة تحسد المملكة المغربية الشريفة لما وصبت إليه تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة محمد السادس أطال الله في عمره..
