الجريدة العربية – ذ. بوحافة العرابي *
في لحظة فارقة من تاريخه الحديث، يستعد المغرب لاحتضان كأس إفريقيا للأمم 2025، ويواصل تحضيراته الحثيثة لموعد أكثر رمزية وثقلاً: كأس العالم 2030، بشراكة ثلاثية تجمعه بإسبانيا والبرتغال. لكن، وكالعادة، لا يمكن أن تمر نجاحات المغرب بهدوء في بعض الأوساط الدولية، خاصة تلك التي اعتادت النظر للمملكة كبلد يُفترض فيه أن يبقى هامشيًا، لا يصعد ولا يُنافس، ولا يحق له أن يحلم كثيرًا.
ما إن بدأت بوادر التحضير للموعدين القاري والعالمي تظهر للعيان، حتى خرجت منظمات دولية غير حكومية وبعض الأصوات الإعلامية الغربية، ترفع شعارات حماية الحيوان، وتطلق اتهامات خطيرة ضد المغرب، بزعم قيامه بحملات “إبادة جماعية” للكلاب الضالة في الشوارع. تلك الاتهامات، التي لا تستند إلا إلى مقاطع فيديو مجهولة المصدر، وتقديرات رقمية خيالية تفتقر إلى أدنى شروط التحقيق الصحفي أو الوثائقي، أُريد منها ما هو أكبر من “إنقاذ الكلاب” كما يزعمون… أُريد بها تلويث صورة المغرب، والطعن في أهليته لاحتضان الأحداث الكبرى.
فمن يقرأ البيانات الصادرة عن “منظمات الرفق بالحيوان” كـ”IAWPC” أو يستمع لتصريحات شخصيات عامة غربية، مثل ديفيد هاليداي، يظن للوهلة الأولى أن المغرب لا يملك قوانين، ولا يلتزم بمقتضيات أخلاقية، ولا يخضع لأي رقابة مؤسساتية. ينسى هؤلاء أو يتناسون أن المغرب أطلق منذ عام 2019 استراتيجية وطنية متقدمة تُعرف بـTNVR (القبض، التعقيم، التلقيح، الإرجاع)، وهي مقاربة حضارية شاركته فيها مدن أوروبية، وتُطبق تدريجياً رغم كل التحديات الهيكلية.
هؤلاء لا يريدون الاعتراف بأن المغرب، شأنه شأن دول كثيرة، يواجه معضلة حقيقية مرتبطة بالصحة العمومية، مع آلاف حالات عضّ سنوية وتهديد مستمر بداء السعار، كما لا يعترفون أن الدولة المغربية رصدت ميزانيات مهمة لبناء مصحات بيطرية حديثة، وسنّت في يوليو 2025 قانونًا رائدًا لحماية الحيوانات، يتضمن ولأول مرة عقوبات حقيقية ضد من يسيء للحيوانات أو يقتلها بغير سند قانوني.
حين تتحول الكلاب إلى أوراق ضغط
العدد المزعوم للكلاب التي “أُبيدت”، والذي يصل وفق هذه المنظمات إلى 300 ألف كلب سنوياً، ويتضخم في مخيلاتهم إلى ثلاثة ملايين بحلول 2030، ليس إلا تضخيمًا إعلاميًا يخدم أجندة واحدة: سحب البساط من تحت المغرب، وخلق حالة دولية من الغضب المصطنع تقود – زورًا – إلى إعادة النظر في استضافته لكأس العالم.
ولنكن واضحين: هذه ليست أول مرة يُستهدف فيها المغرب إبان تنظيم حدث كبير. بالأمس القريب، استُخدم ملف حقوق الإنسان، واليوم يُستعمل ملف “حقوق الكلاب”. غداً، قد تُفتعل أزمة “حقوق الأشجار” أو “النمل” أو غيرها.
هل من قبيل المصادفة أن تتزامن هذه الحملة مع قرب انطلاق تنظيم الـCAN؟ وهل من الطبيعي أن تُرفع رسائل مفتوحة إلى الفيفا تطالب بحرمان المغرب من التنظيم، فقط بناء على ادعاءات عاطفية ومنابر رقمية مشبوهة؟
مثير للسخرية أن تنبري مؤسسات تدعي الدفاع عن “الروح الحيوانية”، بينما تصمت تمامًا أمام قضايا إنسانية حقيقية في غزة و في دول الساحل و السودان و سوريا و العراق و دول إفريقيا التي تسيطر عيها الجيوش الغربية . نفس الجمعيات التي تهدد المغرب بسبب صور كلاب، لم نسمع لها صوتًا حين قُصفت مستشفيات غزة، ولا حين قُتلت أسر بأكملها في مخيمات اللاجئين، ولم تخرج ببيانات حين مات الآلاف من المهاجرين الأفارقة وهم يحاولون عبور المتوسط نحو أوروبا.
أين كانت مؤسسة “برجيت باردو” حين جُرفت خيام بأطفالها في النيجر؟ أين كانت “جين غودال” حين قُطعت المياه عن الفلسطينيين؟ هل تتحرك هذه المنظمات فقط حين يتعلق الأمر ببلد عربي إفريقي يُظهر مؤشرات على الصعود؟ أم أن هذه المؤسسات تحركها أصابع خفية، تعمل على فرملة أي مشروع سيادي، مستقل، وغير تابع؟
لا أحد ينتزع من المغرب ما بناه بإرادته
المغرب لن يُجبر على تقديم دروس في الإنسانية لمن يتعامل مع قضايا العالم بمنطق الكيل بمكيالين. لن ينتزع منه تنظيم كأس العالم ببيان مدفوع من نجم غنائي، ولا حملة موجهة في وسائل التواصل، ولا صور مُركبة لحيوانات مرمية في الشارع. المغرب دولة مؤسسات، وبينة تحتية، وقانون، وتاريخ، وجغرافيا، وتجربة ناجحة في التنظيمات الكبرى، من كأس العالم للأندية إلى مؤتمرات المناخ، وليس لاعبًا طارئًا على الساحة.
في المغرب، تُبنى الملاعب والمصحات في الآن ذاته، وتُطلق البرامج لحماية البشر كما الحيوان، وتُصاغ السياسات الوطنية ليس وفق ابتزاز المؤسسات الغربية، ولكن بناء على أولويات وطنية محضة.
لا نطلب شهادة حسن سلوك من أحد، ولا نرتبك أمام حملات مشبوهة. المغرب باقٍ في طريقه، ومن أراد مرافقة الصعود فمرحبًا، ومن أراد عرقلته فليفهم أن زمن الابتزاز قد ولى.
* بوحافة العرابي :
-
باحث أكاديمي في مجال الصحافة والإعلام الاجتماعي والسياسي
-
كاتب صحفي مقيم بأوروبا
-
رئيس هيئة التحرير والنشر بالجريدة العربية
