فيرونا ؛المسابقة الوطنية للقرآن الكريم في نسختها الرابعة:إبراز النموذج المغربي في تدبير التعايش الديني تحت القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله

الجريدة العربية

في سياق الدينامية المتنامية التي تعرفها المبادرات الدينية والثقافية للجالية المسلمة في أوروبا، احتضنت مدينة فيرونا يوم السبت 28 مارس 2026 فعاليات نهائي النسخة الرابعة من المسابقة الوطنية للقرآن الكريم، وذلك بفندق فندق مونطريزور، في حدث متميز جمع بين الروحانية القرآنية والتنافس العلمي، وبين الانفتاح الحضاري والحوار بين الأديان. وقد نظمت هذا الحدث البارز الكنفدرالية الإسلامية الإيطالية بحضور نخبة من الشخصيات الدينية والدبلوماسية والمدنية، إلى جانب حشد غفير غصت به جنبات قاعة المؤتمرات، في مشهد يعكس عمق ارتباط الجالية المسلمة بكتاب الله، وحرصها على ترسيخ قيمه في السياق الأوروبي المعاصر.

وشهدت التظاهرة حضورًا وازنًا تقدمه رئيس الكنفدرالية الإسلامية الإيطالية السيد مصطفى حجراوي، وفضيلة الدكتور المصطفى الشنضيض، رئيس المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة، إلى جانب القنصل العام للمملكة المغربية بفيرونا السيد عبد الإله النجاري، فضلًا عن شخصيات دينية مسيحية بارزة، من بينها أسقف مدينة فيرونا ومدير أبرشيتها ومسؤولون عن ملف حوار الأديان، إضافة إلى ممثلين عن السلطات المحلية.

ولم يقتصر الحدث على طابعه التنافسي المرتبط بتلاوة القرآن الكريم وتجويده، بل تميز أيضًا بتنظيم لقاء فكري في الفترة الصباحية خُصص لموضوع حوار الأديان باعتباره ركيزة أساسية لتعزيز ثقافة العيش المشترك. وقد افتُتح اللقاء بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم بصوت القارئ إلياس حجري، عضو لجنة التحكيم، في أجواء روحانية مهيبة، بحضور نخبة من العلماء، من بينهم العلامة عدنان زهار، الحائز على جائزة جائزة جلالة الملك محمد السادس في الحديث، إلى جانب عدد من أعضاء المجلس الأوروبي لعلماء المغرب.

وفي كلمته الافتتاحية، أكد السيد مصطفى حجراوي أن مثل هذه اللقاءات تمثل فضاءات حيوية لترسيخ ثقافة التسامح والتعايش بين الأديان والثقافات، خاصة في عالم يشهد توترات متزايدة، مشددًا على أن الحوار الصادق والبناء يشكل أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق السلم المجتمعي. ومن جهته أبرز عمدة البلدية المحتضنة للحدث أن هذه المبادرات تمثل فرصة حقيقية للتعارف بعيدًا عن الأحكام المسبقة، مؤكدًا أن التنوع الثقافي والديني يشكل رافعة للتقارب الإنساني وليس عائقًا أمامه، ومشيدًا في الآن ذاته بالدور الإيجابي الذي تضطلع به الجالية المغربية في التنمية المحلية.

أما مداخلة القنصل العام للمملكة المغربية بفيرونا، فقد اتسمت بعمق فكري واستحضار لمرجعيات دينية ودستورية وتاريخية تؤطر مفهوم حوار الأديان من المنظور المغربي. وأبرز في هذا السياق أن التعايش سنة إلهية راسخة، وأن الانطلاق في الحوار ينبغي أن يكون من المشترك الإنساني الذي يجمع البشر جميعًا، معتبرًا أن التنوع ليس مدعاة للصراع بل فرصة للتعارف والتكامل. كما شدد على أن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين محمد السادس، يقدم نموذجًا رائدًا في ترسيخ ثقافة التعايش بين الديانات، مستحضرًا محطات تاريخية بارزة في مسار الحوار بين الأديان، من بينها الزيارات البابوية للمملكة وما حملته من رسائل رمزية قوية في اتجاه تعزيز قيم السلام والتفاهم.

وفي مداخلة علمية رصينة، دعا الدكتور المصطفى الشنضيض إلى تجاوز مفهوم التعايش السلبي نحو مفهوم أعمق يتمثل في القبول بالآخر، باعتباره انتقالًا نوعيًا نحو الاعتراف المتبادل والتعاون المثمر بين مكونات المجتمع. كما توالت المداخلات التي أكدت في مجملها على أهمية تعزيز جسور التواصل بين الأديان، حيث نوه ممثلو الكنيسة المحلية بعلاقاتهم الطيبة مع الجالية المغربية، مشيرين إلى القيم المشتركة التي تدعو إليها الديانات السماوية، وعلى رأسها قيم التسامح والسلام.

كما شكلت مداخلة أسقف فيرونا محطة مؤثرة في هذا اللقاء، إذ عبر عن سعادته بالمشاركة في هذا الحدث الذي اعتبره جسرًا للتقارب بين الشعوب، محذرًا من مخاطر استغلال الدين في تأجيج النزاعات، وداعيًا إلى التركيز على نقاط الالتقاء بين الأديان بدل تضخيم مساحات الاختلاف.

وخلال اللقاء تم ربط الاتصال بأحد المسؤولين عن تنسيق ملف الألعاب الأولمبية الشتوية ميلانو–كورتينا 2026، الذي استعرض تجربة لجنة الديانات المتعددة المرتبطة بالحدث، والتي شكلت نموذجًا عمليًا للتعاون بين مختلف الأديان في تقديم الدعم الروحي للرياضيين. وقد نوه في هذا الإطار بالمساهمة الإيجابية للكنفدرالية الإسلامية الإيطالية التي عملت على تلبية احتياجات رياضيين من دول مختلفة، بما في ذلك توفير المصاحف داخل الفضاءات المخصصة للعبادة.

وبعد اختتام اللقاء الفكري في أجواء من التقدير المتبادل، انتقل الحضور إلى المحطة الأبرز من برنامج اليوم، وهي نهائي المسابقة الوطنية للقرآن الكريم، حيث تنافس المشاركون في تلاوة كتاب الله وتجويده وسط حضور جماهيري كبير وتفاعل لافت من الحاضرين.

من اللوح إلى اللوح… ذاكرة تعليم القرآن المغربي

ومن بين الفقرات الثقافية المميزة التي رافقت هذه التظاهرة تنظيم معرض بعنوان “من اللوح إلى اللوح”، وهو معرض تربوي وثقافي يسلط الضوء على الطريقة المغربية الأصيلة في تحفيظ القرآن الكريم باللوح الخشبي، وهي الطريقة التي شكلت عبر قرون طويلة أحد أعمدة التعليم القرآني في المغرب.

ويعيد هذا المعرض الزائر إلى مشهد تربوي عريق، حيث كان القرآن الكريم يُكتب على اللوح الخشبي، ويُمحى بالماء، ثم يُعاد كتابته مرات متتالية حتى يستقر في الصدر قبل السطر، وفي القلب قبل الورق. وقد تخرجت على يد هذه المدرسة التقليدية أجيال من الحفّاظ والعلماء والقراء الذين أسهموا في حفظ كتاب الله عبر التاريخ في بلاد المغرب والأندلس وإفريقيا.

هذا الحدث لم يكن مجرد مسابقة دينية عابرة، بل شكل منصة متعددة الأبعاد جمعت بين الروحانية والعلم والحوار الحضاري، وأسهمت في إبراز نموذج متقدم للتعايش في السياق الأوروبي، مؤكدة أن القرآن الكريم يظل منبعًا للقيم الإنسانية الجامعة، وأن الحوار بين الأديان لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة حضارية تفرضها تحديات العصر.

Exit mobile version