فرنسا والجزائر في 2025: ليست أزمة دبلوماسية فقط بل أزمة سرديات عميقة بدون أفق

الجريدة العربية

ليس من المبالغة القول إن الأزمة الفرنسية-الجزائرية خلال 2025 لم تكن مجرد احتكاك دبلوماسي عابر كما اعتدنا منذ عقود، بل تحوّلت إلى مواجهة مكتملة العناصر بين خطاب تاريخي مأزوم وواقع جيوسياسي جديد فقدت فيه الجزائر القدرة على فرض قواعد اللعبة القديمة، بينما دخلت فرنسا مرحلة إعادة تموضع إقليمي يختلف جذريًا عن حقبة ما بعد الاستقلال.

من زاوية رأي سياسي، يبدو لافتًا أن باريس نفسها قد تخلت بهدوء عن “طقس الابتزاز الرمزي” الذي كانت تمارسه الجزائر منذ سنوات بملف الاستعمار والهجرة، وقررت -للمرة الأولى- أن تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية لا وفق حساسيات الذاكرة. والاعتراف الفرنسي بسيادة المغرب على الصحراء لم يكن مجرد دعم دبلوماسي، بل إعلان في صلبه أن توازنات المغرب العربي الاقتصادية والأمنية تتجه جنوبًا وغربًا وليس شرقًا، وأن الرباط اليوم لاعب إقليمي صاعد، بينما الجزائر ما زالت تجتر أسطوانة سرديتها القديمة.

في المقابل، وبمنطق التحليل الجيوسياسي، خسرت الجزائر ورقتين كانت تعتبرهما أساسيتين:

  1. ورقة الهجرة غير النظامية وملف الجزائريين الخاضعين لقرارات ترحيل، التي كانت الجزائر تستعملها كأداة تفاوضية ضد باريس. بعد فبراير 2025، تحوّل الملف من ورقة ضغط جزائرية إلى مطلب أمني داخلي فرنسي.
  2. ورقة الاستعمار، التي لم تعد تحرك المزاج العام الفرنسي كما كانت تفعل قبل عشرين عامًا، بل أصبحت -بالعكس- تُستثمر من قبل التيارات اليمينية لتعميق القطيعة بدل التفاهم.

لذلك، حين لجأت الجزائر إلى طرد 12 دبلوماسيًا فرنسيًا ثم قدمت باريس على الرد بالمثل وعودة السفير، لم نكن أمام “زعل دبلوماسي” بل أمام لحظة كاشفة، أوضحت بما ليس فيه شك أن الجزائر لم تعد تملك أدوات الردع، وفرنسا لم تعد تملك الرغبة في الاعتذار، والنتيجة كانت قطيعة باردة طويلة الأمد.

هنا تحديدًا يظهر العامل الذي تتجاهله أغلب التحليلات الفرنسية، وهو العامل المغربي. فجزء كبير من هذا التوتر هو انعكاس غير مباشر لصعود الرباط القوية كلاعب محوري في إفريقيا والمتوسط، ولتحولات استراتيجية (صحراء، طاقة، موانئ، كرة القدم، ودبلوماسية القمم الدولية)، وهو صعود أربك باريس والجزائر كلًا بطريقته.

الجزائر رأت في الاعتراف الفرنسي بالصحراء انتصارًا مغربيًا استراتيجيا، وباريس رأت فيه خروجًا من المراوحة التاريخية التي عطلت مصالحها في المنطقة مع حليف اقتصادي وأمني موثوق. أما الرباط، فتعاملت مع الأمر بهدوء الدولة التي لم تعد تحتاج وسيطًا في قضية تم حسمها دبلوماسيًا وسياسيًا على أكثر من جبهة.

هل يمكن لهذه الأزمة أن تتحلحل في المدى المنظور؟ حتى الآن، الإجابة الواقعية تكمن في كلمة صغيرة وهي “لا”. فقبل الحديث عن تطبيع، يجب الإقرار بأن الأزمة ليست في مستوى السفراء بل في مستوى الدوافع الداخلية:

لذلك من الصعب تخيل عودة العلاقة إلى “الوضع الطبيعي” قبل 2024، لأن الوضع القديم نفسه لم يعُد موجودًا.

ما الذي ينبغي مراقبته إذن؟ ثلاثة مؤشرات:

  1. ملف الهجرة والترحيل: إذا قبلت الجزائر تسهيل عودة رعاياها فسيكون ذلك إشارة تهدئة.
  2. التعاون الأمني في الساحل: أي عودة جزائرية إلى منطق الشراكة بدل التعطيل.
  3. خطاب الذاكرة: فتمرير قانون “جريمة دولة” ضد فرنسا ليس مجرد رسالة سياسية بل إغلاق باب الاعتذار نهائيًا.

وفي المحصلة، الأزمة ليست “حادثة دبلوماسية” بل تحول بنيوي يؤشر على نهاية مرحلة في العلاقات الأورومتوسطية وبداية أخرى. هي مرحلة تتحرك فيها باريس نحو الرباط ومدريد وروما، بينما تبقى الجزائر أسيرة سردية عتيقة يصعب أن تواكب العصر.

وإذا كان من درس أساسي هنا، فهو أن الجغرافيا السياسية لا ترحم الفراغ . فحين تتراجع الجزائر دبلوماسيًا، يتقدم المغرب اقتصاديًا وأمنيًا ورياضيا و اجتماعيا، وبشراكات مستقبلية لا تُبنى على ذاكرة الماضي بل على استثمار المستقبل.

Exit mobile version