سجن الداخلة يهتزّ على وقع الشكايات.. ماذا يحدث خلف الأسوار؟

الجريدة العربية -مكتب الرباط

تفتح الجريدة العربية ملفاً شديد الحساسية داخل المؤسسة السجنية بالداخلة، ليس بحثاً عن الإثارة الرخيصة، ولا رغبة في تصفية حسابات مع أي مسؤول، وإنما لأن عدداً من المعطيات والشهادات التي توصلت بها الجريدة يضع أمام الرأي العام والإدارة أسئلة ثقيلة لا يمكن دفنها خلف الأسوار. روايات عن توتر مهني، وشكايات موظفين، واختلافات في تدبير العطل والحراسة، سجن الداخلة يهتزّ على وقع الشكايات.. ماذا يحدث خلف الأسوار؟ كلها ترسم صورة تستحق تحقيقاً مستقلاً.

وفي قلب هذا الملف يبرز سؤال جوهري: هل تعكس التقارير الإدارية المتداولة حقيقة ما يجري داخل المؤسسة، أم أن هناك واقعاً آخر لا يصل كاملاً إلى الجهات المركزية؟أخطر ما يطفو على سطح هذا الملف يرتبط، وفق إفادات توصلت بها الجريدة، بقضية موظفة بحي النساء، بعدما نُسب إلى نزيلتين تقديم تصريحات تتهمان الموظفة بالتحريض على خوض إضراب عن الطعام.

غير أن الرواية، بحسب المصادر نفسها، سرعان ما دخلت مرحلة التضارب، بعدما قدمت النزيلتان لاحقاً تصريحات أمام مسؤولين إداريين نفتا فيها، وفق ما نقلته المصادر، أن تكون الموظفة قد حرضتهما على الإضراب. وإذا كانت هذه المعطيات دقيقة، فإن السؤال يصبح أكثر خطورة من مجرد خلاف إداري: كيف انتقلت الرواية من اتهام إلى نفي؟ ومن حرر محاضر الاستماع؟ وهل تمت مقارنة التصريحات المختلفة؟ وتحت أي ظروف أدلي بها؟ إنها أسئلة لا تجيب عنها التقارير الإنشائية، بل تحتاج إلى افتحاص مستقل ومحاضر ووثائق وشهادات متقاطعة.

وفي ملف آخر، تتحدث مصادر مهنية عن طريقة تدبير العطل السنوية، معتبرة أن معايير الأسبقية والاستحقاق لا تطبق دائماً بالشكل الذي ينتظره الموظفون. وتذهب إفادات إلى الحديث عن تغيير بعض الفترات وإعادة توزيعها، فيما يقول موظفون إنهم واجهوا صعوبات في وضع طلباتهم والحصول على ما يثبت تسلمها. الأخطر أن بعض المصادر تتحدث عن اضطرار موظفين إلى الاستعانة بمفوض قضائي لإثبات إيداع طلبات العطلة.فهل أصبح الموظف داخل مؤسسة عمومية مضطراً إلى البحث عن وسيلة لإثبات أنه حاول ممارسة حق إداري عادي؟ وإذا كانت هذه الروايات غير صحيحة، فإن كشف الحقيقة لا يحتاج سوى إلى إخراج سجلات الإيداع والتسلم وجداول العطل ومقارنتها بالقواعد المنظمة.

أما إذا كانت صحيحة، فإن الصمت لن يكون حلاً.ولا يتوقف الملف عند العطل؛ إذ تتحدث شهادات أخرى عن اضطراب مزعوم في توزيع مراكز العمل والحراسة، وعن تكليف بعض الموظفين بمهام متعددة، فضلاً عن أنماط من توزيع الحراسة الليلية يعتبرها أصحابها مرهقة وغير متوازنة. وتقول مصادر الجريدة إن هذه الطريقة في التدبير خلقت، بحسب وصفها، حالة من الاستنزاف المهني والاحتقان داخل المؤسسة، بل إن المعطيات المتوصل بها تتحدث عن موظف بلغ به الوضع، وفق الرواية ذاتها، حد وضع استقالته. هل يتعلق الأمر بحالات فردية معزولة، أم بمؤشرات على خلل أوسع في تدبير الموارد البشرية؟ هنا أيضاً لا تحتاج الحقيقة إلى خطب طويلة؛ يكفي إخضاع جداول الحراسة، ومراكز العمل، والعطل، والتكليفات، والغيابات، لمراجعة محايدة تكشف إن كان التوزيع يتم وفق معايير واضحة أم وفق اعتبارات أخرى.

لكن السؤال الأكثر حساسية يظل متعلقاً بالشكايات. فمصادر من داخل المؤسسة تتحدث عن صعوبات مزعومة في تمرير بعض الشكايات عبر التسلسل الإداري، وعن فتح أظرفة شكايات والاطلاع على مضامينها، وعن عدم تمكين أصحابها، وفق إفاداتهم، من أرقام تثبت مسار مراسلاتهم. وإذا ثبتت هذه الوقائع، فإننا لا نكون أمام مجرد سوء تفاهم إداري، وإنما أمام إشكالية تمس ثقة الموظف في منظومة التظلم نفسها. وفي المقابل، إذا كانت هذه الاتهامات مبالغاً فيها أو غير صحيحة، فإن الإدارة تملك كل الوسائل لإثبات ذلك بالوثائق.

السؤال هنا ليس: من يقول الحقيقة؟ بل: لماذا لا توضع الوثائق أمام لجنة مستقلة لتقول الحقيقة؟لهذا، لا تطلب الجريدة العربية إدانة أي مسؤول، ولا تنصب نفسها محكمة داخل مؤسسة سجنية؛ بل تطالب بما هو أبسط وأكثر إنصافاً: لجنة مركزية لتقصي الحقائق، تستمع إلى جميع الأطراف، وتفحص المحاضر، وتدقق في جداول العطل والحراسة، وتتحقق من مسار الشكايات، وتواجه التقارير الرسمية بالوقائع الميدانية. فإذا كانت المؤسسة تسير في ظروف سليمة، فسيكون التحقيق فرصة لتبرئة من طالتهم الشبهات وإسكات الإشاعات. وإذا كشفت اللجنة عن اختلالات، فتصحيحها سيكون حماية للمؤسسة قبل أن يكون محاسبة للأشخاص. أما أن تبقى الأسئلة معلقة، والشكايات تتراكم، والموظفون يتحدثون في الكواليس، بينما تظل الصورة الرسمية مثالية، فذلك بالضبط ما يستحق التحقيق.

الجريدة العربية ستواصل النبش في هذا الملف، وستمنح الإدارة وكل من ورد اسمه حق الرد الكامل، لأن شعارها ليس حماية الأشخاص، وإنما حماية الحقيقة.الحلقة الثانية ستتوقف عند تفاصيل أخرى في تدبير المؤسسة، وستضع عدداً من المعطيات المتداولة أمام أسئلة أكثر دقة: من يراقب؟ من يفتش؟ ومن يقرأ فعلاً التقارير التي تغادر المؤسسة نحو الإدارة المركزية؟

Exit mobile version