10.8 مليارات دولار.. دراسة ترسم ممرًا وطنيًا للهيدروجين الأخضر بأنبوب يمتد 900 كيلومتر بين طانطان والمحمدية

الجريدة العربية – الرباط

كشفت دراسة علمية حديثة عن تصور اقتصادي ولوجستي لإنشاء ممر وطني للهيدروجين الأخضر في المغرب، يقوم، وفق السيناريو الأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية، على خط أنابيب بطول نحو 900 كيلومتر يربط بين طانطان والمحمدية، إلى جانب اعتماد النقل البحري الساحلي لربط هذا المحور بمينائي الجرف الأصفر وطنجة المتوسط.

وتقدم الدراسة، التي نُشرت في الرابع من شتنبر الجاري بالمجلة العلمية المتخصصة “Hydrogen”، تصوراً لنظام متكامل لإنتاج وتخزين ونقل الهيدروجين الأخضر والأمونيا في المغرب، مع استشراف تطور هذه المنظومة خلال أعوام 2030 و2040 و2050.

وأعد الدراسة باحثون مغاربة ينتمون إلى مؤسسات للتعليم العالي في فاس ومكناس، حيث سعوا من خلال نموذج اقتصادي ولوجستي إلى تحديد أفضل الخيارات الممكنة لنقل وتخزين الهيدروجين الأخضر والأمونيا، ومقارنة كلفة مجموعة من السيناريوهات المختلفة.

واعتمد النموذج أربعة أقطاب رئيسية هي طانطان، والمحمدية، والجرف الأصفر، وطنجة المتوسط، مع مقارنة حلول تعتمد على خطوط الأنابيب وأخرى تقوم على النقل البحري الساحلي، أي نقل المنتجات بين الموانئ المغربية، بهدف تحديد التركيبة التي تحقق أقل كلفة إجمالية.

أنبوب بطول 900 كيلومتر في قلب السيناريو الأقل كلفة

خلص الباحثون إلى أن السيناريو الأكثر اقتصاداً يقوم على إنشاء خط أنابيب رئيسي يمتد لمسافة تقارب 900 كيلومتر بين طانطان والمحمدية، على أن تستكمل باقي فروع الممر بواسطة النقل البحري.

غير أن الدراسة تؤكد أن هذا التصور لا يمثل مشروعاً أعلنت عنه الحكومة المغربية، كما أنه لا يتعلق بمسار نهائي لبنية تحتية مستقبلية، وإنما هو نتيجة لنمذجة اقتصادية ولوجستية تهدف إلى اختبار الخيارات الممكنة وتحديد الأكثر كفاءة من حيث التكلفة.

وقدرت الدراسة التكلفة الحالية الإجمالية للسلسلة التي جرى تحليلها بنحو 10.838 مليارات دولار، بينما يصل متوسط التكلفة، عند احتساب كميات الأمونيا التي سيتم إيصالها خلال الفترة التي تغطيها الدراسة، إلى نحو 1,176 دولاراً للطن، أي ما يعادل تقريباً 1,089 يورو.

وبحسب النموذج، فإن هذا السيناريو الهجين، الذي يجمع بين الأنابيب والنقل البحري، يتفوق بفارق محدود على سيناريو يعتمد بالكامل على شبكة من خطوط الأنابيب، حيث تصل التكلفة إلى نحو 1,186 دولاراً للطن.

كما يبدو السيناريو الهجين أكثر تنافسية مقارنة بخيار النقل البحري الكامل، الذي قدرت الدراسة تكلفته بنحو 1,233 دولاراً للطن.

التخزين تحت الأرض يعزز جدوى خط الأنابيب

لا ترتبط أفضلية خط الأنابيب بين طانطان والمحمدية، وفق الدراسة، بتكلفة النقل وحدها، إذ تشير النمذجة إلى أن حجم التدفقات على هذا المحور لن يكون كافياً بمفرده لتغطية تكلفة الاستثمار في إنشاء الأنبوب.

وتقدر الدراسة أن وفورات تكاليف الشحن لن تغطي سوى نحو 26% من تكلفة الاستثمار المطلوبة لإنشاء خط الأنابيب.

غير أن العامل الحاسم يتمثل في إمكانية الاستفادة من التخزين الجوفي، الذي يوفر، وفق النموذج المعتمد، خياراً أقل تكلفة لتخزين الطاقة والمواد المرتبطة بسلسلة الهيدروجين.

وقدرت الدراسة الوفر الناتج عن هذا الخيار بنحو 790 مليون دولار على امتداد الفترة الزمنية التي يغطيها النموذج.

لكن هذه النتيجة تظل مرتبطة بمجموعة من الافتراضات التقنية والجيولوجية، من بينها افتراض توفر قدرة تخزين قصوى تصل إلى ثلاثة ملايين طن داخل تجاويف ملحية.

ويقر الباحثون بأن هذه الإمكانية الجيولوجية تحتاج إلى تأكيد ميداني من خلال دراسات متخصصة قبل إمكانية التعامل معها كأساس لمشروع فعلي.

كما أن تكلفة إنشاء خط الأنابيب نفسها، والمقدرة في النموذج بنحو 1.5 مليون دولار لكل كيلومتر، تظل فرضية حسابية ضمن النموذج وليست تكلفة استثمارية نهائية لمشروع تمت المصادقة عليه.

النقل البحري يظل أكثر كفاءة للفروع ذات الطلب المحدود

في المقابل، خلصت الدراسة إلى أن النقل البحري يظل أكثر جدوى بالنسبة إلى الفروع التي تعرف حركة محدودة.

فإنشاء خطوط أنابيب إضافية لهذه المسارات سيتطلب استثمارات إضافية تقدر بنحو 570 مليون دولار، في وقت لن تتجاوز فيه معدلات استخدام هذه الأنابيب 36%، وهو ما يجعل الاستثمار فيها أقل جاذبية من الناحية الاقتصادية.

وبذلك يقترح النموذج توزيع أدوار واضح بين وسائل النقل: أنبوب رئيسي لنقل الكميات الكبيرة عبر المسار الأكثر كثافة، مقابل استخدام النقل البحري الساحلي للمسارات التي لا تتوفر على أحجام كافية لتبرير إنشاء بنية تحتية أنبوبية مستقلة.

“توأم رقمي” لاختبار قدرة الممر على استيعاب التدفقات

ولم تكتف الدراسة بالحسابات الاقتصادية، بل اختبر الباحثون أيضاً أداء الممر المقترح من خلال ما يعرف بـ”التوأم الرقمي”، وهو نموذج محاكاة يهدف إلى اختبار قدرة المنظومة على العمل في ظروف مختلفة.

وأظهرت المحاكاة، وفق نتائج الدراسة، أن خط الأنابيب يمكنه استيعاب تدفقات الذروة المعتمدة في النموذج، كما أن الانتقال من النقل المستمر عبر الأنابيب إلى عمليات شحن بحرية دورية لا يؤدي، ضمن الفرضيات المعتمدة، إلى اختناقات حرجة في الموانئ التي شملتها المحاكاة.

ويعزز ذلك، بحسب الباحثين، فرضية إمكانية الجمع بين النقل عبر الأنابيب والنقل البحري ضمن منظومة لوجستية واحدة، بدل الاعتماد على وسيلة نقل واحدة على امتداد الممر بأكمله.

الطاقات المتجددة والإلكتروليزر في صدارة التكلفة

وتكشف الدراسة أن إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة يمثل المكون الأكبر من التكلفة الإجمالية، بنسبة تصل إلى 43.4%، يليه إنتاج الهيدروجين بواسطة أجهزة التحليل الكهربائي “Electrolyzers” بنسبة 29.7%، ثم إنتاج الأمونيا بنسبة 15.3%.

ويفترض السيناريو المعتمد كذلك عامل تشغيل مرتفعاً نسبياً يصل إلى 50% لمنشآت الطاقة المتجددة في منطقة طانطان، وهو أحد الافتراضات التي تؤثر في النتائج الاقتصادية التي توصل إليها النموذج.

وتقدم الدراسة بذلك تصوراً رقمياً أولياً لبنية محتملة لممر وطني للهيدروجين الأخضر في المغرب، وتُظهر أن الجمع بين خط أنابيب رئيسي والتخزين الجوفي والنقل البحري قد يكون أكثر كفاءة اقتصادياً من الاعتماد على شبكة أنابيب شاملة أو النقل البحري وحده.

غير أن تحويل هذا التصور الأكاديمي إلى مشروع فعلي يظل رهيناً بإجراء دراسات جيولوجية وميدانية دقيقة، وتعبئة استثمارات صناعية ضخمة، وتحديد الاحتياجات الفعلية للسوق، إلى جانب اتخاذ قرارات عمومية واستثمارية لم يتم الإعلان عنها بعد.

وبذلك، فإن أهمية الدراسة لا تكمن فقط في رقم الـ900 كيلومتر أو في الكلفة المقدرة بـ10.8 مليارات دولار، وإنما في كونها تطرح، للمرة الأولى ضمن نموذج اقتصادي متكامل، تصوراً لكيفية ربط مراكز إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته بموانئ ومراكز صناعية مغربية، بما قد يساهم مستقبلاً في تعزيز موقع المملكة ضمن خريطة اقتصاد الطاقة النظيفة.

ويبقى نجاح أي مشروع من هذا النوع مرتبطاً بمدى قدرة المغرب على تحويل الإمكانات الكبيرة التي يتوفر عليها في مجال الطاقات المتجددة إلى منظومة صناعية ولوجستية متكاملة قادرة على إنتاج الهيدروجين الأخضر وتخزينه ونقله وتسويقه على نطاق واسع، سواء للسوق الوطنية أو للأسواق الدولية.

Exit mobile version