رحيل “مصطفى باقبو” أحد رموز موسيقى “كناوة” المغربية الأفريقية والعالمية 

الجريدة العربية – محمد حميمداني

 

فقدت الساحة الفنية المغربية والعالمية، أمس الاثنين بمراكش. أحد أبرز اعمدة فن “كناوة” الأصيل، المرحوم “المعلم مصطفى باقبو”، عن عمر يناهز 72 عاما. وذلك بعد صراع مرير مع المرض، وفق ما أفاد به أقاربه. ليختتم مسيرة فنية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

ينتمي الفقيد، المزداد بمدينة مراكش، إلى أسرة فنية عريقة تشبعت بأصول “فن الكناوة”، وهو فن روحي ذو جذور إفريقية عميقة يمزج بين الموسيقى والطقوس الصوفية. ويعتبر تراثا إنسانيا غير مادي مصنفا من قبل “منظمة اليونسكو”. بدأ “باقبو” مشواره مع فرق “المدينة الحمراء”، أبرزها “نجوم الحمرا”، قبل أن ينضم لفرقة “جيل جيلالة” في الثمانينيات. إحدى أوائل المجموعات التي ساهمت في نقل الموسيقى “الكناوية” من السياق الطقوسي إلى خشبات المسرح العالمية.

ترك الراحل بصمة مميزة خاصة في مسار الموسيقى الشعبية المغربية والتراث “الكناوي”. تميزت بمزجه بين “فن الكناوي” الأصيل وألوان موسيقية أخرى عالمية. وهو ما أكسبه شهرة تجاوزت حدود المغرب.

تميّز “باقبو” بأسلوب مبتكر جمع بين الأصالة والمعاصرة. حيث مزج الإيقاعات الكناوية العميقة، (مثل القرقابو)، بألوان موسيقية عالمية ك”الجاز” و”البلوز” و”الريغي”. وهو ما منحه بصمة فريدة وحضوراً جماهيريا تجاوز الحدود المحلية. حيث كان وجها أساسيا من وجوه “مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة”، وسفيرا ثقافيا للمغرب في مهرجانات دولية عبر القارات.

وتعكس تجربة “كناوة” ذاكرة المغرب الموسيقية المتجذرة في إفريقيا إرثه الغني الراقي. حيث سيبقى “باقبو” حاضرا في ذاكرة “الكناويين” والمغرب والعالم. ومن هنا اعتبرت “منظمة اليونسكو” عن حق أن “فن الكناوة هو ديبلوماسية السلام بين الثقافات”.

فن الكناوة: إرث روحي وإبداع عالمي

يعتبر “فن كناوة” تراثا موسيقيا روحيا عميق الجذور في “المغرب”. يجمع بين الإيقاعات الإفريقية والطقوس الصوفية العربية الإسلامية. يعود أصله إلى أحفاد الجنود والعبيد الذين جلبوا من إفريقيا جنوب الصحراء، خلال الفترات التاريخية المختلفة. يتميز بموسيقى إيقاعية قوية تقوم على آلة “الكمبري، وهي آلة وترية، و”القراقب”، وهي عبارة عن صنوج معدنية. مصحوبة برقصات طقوسية وترانيم باللغة الأمازيغية والعربية الدارجة والحسانية. وغالبا ما يكون الهدف من هذه الطقوس هو العلاج الروحي أو الاستمتاع بالمناسبات الدينية والاجتماعية.

المعلم مصطفى باقبو: مسار فني حافل وإسهامات خالدة 

ولد “مصطفى باقبو” بمدينة “مراكش”، ونشأ في عائلة متجذرة في تقاليد “فن الكناوة”. وهو ما أهله لأن يصبح أحد أبرز وجوه هذا الفن. بدأ مسيرته الفنية في سبعينيات القرن الماضي مع فرقة “نجوم الحمرا”. لينضم لاحقا ل”مجموعة جيل جيلالة” في الثمانينيات. والتي لعبت دورا محوريا في تطوير وتحديث الموسيقى الكناوية وجعلها أكثر قبولا لدى الجماهير المحلية والعالمية.

مساهمات الراحل الفنية وطنيا وقاريا وعالميا 

عمل الراحل خلال مسيرته الفنية على الدمج بين الأصالة والحداثة. حيث تميز بقدرته الفذة على مزج الإيقاعات الكناوية التقليدية مع أنماط موسيقية عالمية. وهو ما وسع قاعدة الجمهور وجذب انتباه المستمعين من مختلف الثقافات. كما كان ل”باقبو” حضورا لامعا في “مهرجان كناوة وموسيقى العالم” ب”الصويرة”. حيث شارك في العديد من دوراته مساهما بالتالي في تعزيز مكانة المهرجان كمنصة للحوار الثقافي بين “المغرب” والعالم.

تعاون “باقبو” مع العديد من الفنانين العالميين وهو ما ساهم في نشر “فن كناوة” خارج حدود المغرب. وجعله بالتالي جزءا من الخريطة الموسيقية العالمية. وعلى الرغم من تجربته الحديثة، فقد حافظ الراحل على الجوهر الروحي والثقافي ل”فن كناوة”، وهو ما جعل إبداعه يجسد التوازن بين الأصالة والمعاصرة.

ويعد هذا الفقد خسارة كبيرة للساحة الفنية المغربية، لكن إرثه الموسيقي سيبقى خالدا من خلال أعماله وتسجيلاته التي ستظل مصدر إلهام للأجيال القادمة. لقد كان بحق سفيرا ثقافيا للمغرب للعالم. حيث ساهم في تعريف العالم بغنى وتنوع التراث الموسيقي المغربي.

Exit mobile version