الجريدة العربية
في خطوة تُعزز تموقع المغرب كفاعل رياضي دولي وواجهة كروية قارّية، شهد مجمّع محمد السادس لكرة القدم افتتاح المكتب الإقليمي الجديد للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الخاص بإفريقيا. هذه المبادرة التي تزامنت رمزيًا مع احتفالات عيد العرش، ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل تؤشر على مرحلة جديدة في علاقة المغرب مع محيطه الإفريقي، وتكشف في الوقت ذاته عن مكاسب متعددة للغرب من هذا التموقع المغربي المتقدم.
ويُعد اختيار مجمع محمد السادس، هذا الصرح الرياضي المصنف ضمن الأفضل عالميًا، ليحتضن مقر “فيفا إفريقيا”، يعكس المكانة المتزايدة للمملكة في خريطة الكرة العالمية. فالمغرب لم يعد فقط بلدًا مضيفًا للبطولات، بل تحول إلى مركز قرار رياضي قارّي، ومختبر لتصورات التنمية الكروية الشاملة.
بالنسبة للغرب – أوروبا تحديدًا – فإن هذا التموقع المغربي يوفر منصة مثالية لإعادة صياغة علاقاته مع كرة القدم الإفريقية، من بوابة بلد مستقر سياسيًا، منفتح اقتصاديًا، وذو بنية تحتية رياضية ومؤسساتية متقدمة. فبفضل هذا المقر، ستكون أوروبا أقرب إلى إفريقيا رياضيًا، وأكثر قدرة على مرافقة دينامياتها وتنمية مواهبها.
تبادل المصالح: رؤية مغربية بعمق قاري وفائدة غربية متعددة
من جهة براغماتية صرفة، يحقق المغرب عبر هذا المشروع جزءًا من الرؤية الملكية الرامية إلى تموقع المملكة كـ”قوة ناعمة” في إفريقيا، من خلال الرياضة، والارتقاء بالكرة الإفريقية إلى مصاف المعايير الدولية. كما أن الغرب – عبر فيفا – يستفيد من بنية تنظيمية عالية في بلد يعتبر جسرا فعّالًا بين الشمال والجنوب، وواجهة مثالية لاختبار برامج تطويرية كروية قابلة للتعميم على باقي دول القارة.
وفي هذا السياق، أشاد رئيس “فيفا” جياني إنفانتينو بالبنية التحتية المغربية، واعتبر افتتاح المكتب يومًا “تاريخيًا”، فيما أكد رئيس “الكاف” باتريس موتسيبي أن المغرب هو “أفضل موقع ممكن” لاحتضان مقر فيفا القاري، مشيدًا بالدعم المتواصل لصاحب الجلالة الملك محمد السادس لكرة القدم الإفريقية.
منظومة متكاملة للتكوين والتأطير: ربح مشترك
المقر الجديد لن يكون مجرد مكتب إداري، بل سيشكل مركزًا لتصميم السياسات الكروية، وتنسيق البرامج التدريبية، ونقطة التقاء للشراكات الدولية بين إفريقيا وأوروبا. وسيتيح هذا التموقع لفيفا ولشركائه الغربيين إمكانية الاشتغال عن قرب مع الفاعلين الأفارقة، مما يسمح بتجاوز منطق الهيمنة القديمة، والمرور إلى علاقة تعاونية ناضجة ومربحة للطرفين.
كما سيساهم في تطوير كرة القدم النسوية، التي برز المغرب في احتضانها وتنظيم بطولاتها، وإبراز المواهب الإفريقية، مع إمكانيات تسويقها وتوجيهها إلى أندية أوروبية بشكل مؤطر وعادل.
ديبلوماسية رياضية تخدم الاستقرار والتنمية
الربح الغربي لا يتوقف عند البعد الرياضي، بل يمتد إلى تعزيز الاستقرار في محيط مضطرب، عبر دعم السياسات المغربية القائمة على تعزيز الرأسمال البشري الإفريقي، وخلق آليات مهنية لاحتضان الشباب وتفجير طاقاتهم. فالمقر الجديد هو ترجمة عملية لـ”رؤية ملكية” تعتبر الرياضة وسيلة لإعادة رسم مسارات التنمية في القارة.
ولعلّ ما يميز المغرب في هذا السياق، هو امتلاكه لنموذج كروي وسياسي يجمع بين الشرعية التاريخية والاستقرار المؤسسي والانفتاح الدولي، ما يجعل منه حليفًا موثوقًا للغرب، وشريكًا مثاليًا لإفريقيا.
بافتتاح مكتب “فيفا إفريقيا” بالرباط، لم يعد المغرب فقط منصة استقبال، بل تحوّل إلى غرفة قيادة لكرة القدم القارية، مما يمنح الدول الغربية فرصة فريدة لإعادة بناء علاقتها مع إفريقيا على أسس الاحترام والشراكة.
إنها لحظة تَبرز فيها الدبلوماسية الرياضية كأداة للسلام والتعاون والتقدم المشترك، ويقف فيها المغرب في قلب التحولات الكبرى، مستثمرًا في شبابه، وفي قارته، ومعززًا موقعه الدولي بثقة ونجاعة.
