الفن البلدي ب”الجرف” ب”المغرب” حكايات الإنسان والأرض في سيمفونية الواحات

الجريدة العربية – محمد حميمداني

تتسارع الهويات والتحولات الاجتماعية والثقافية. إلا أن الفن البلدي ب”مدينة الجرف”، إحدى بوابات قلب “واحات تافيلالت”. يواصل صموده كتراث شفهي وثقافي عريق. شاهدا على عمق الذاكرة الجماعية للإنسان الواحي. هذا الفن، الذي يعتبر من أبرز التعبيرات الموسيقية التقليدية في جنوب شرق المغرب. والذي يفرض نفسه، اليوم، كموضوع للنقاش الثقافي والمؤسساتي بشأن طرق الحفاظ عليه في مواجهة تحديات الاندثار.

وفي هذا السياق، لا يمكن حصر موسيقى الواحات ب”الجرف” في كونها إيقاعات وأغان. بل في كونها تحمل قيما إنسانية منذمجة مع قوة ترابط حي يصل الإنسان بالمجال الطبيعي. عاكسة مشاهد حية لقصص الإنسان وعلاقته بالأرض والنخيل والواحة.

إرث شفهي مختزن لذاكرة الواحة 

يتسم “الفن البلدي” بأداء جماعي في الغناء والإلقاء مع تنوع في إيقاعاته المتوارثة. معتمدا على كشكول من الآلات التقليدية، ضمنها “الطعريجة”، “البندير” و”الغيطة”. وهي آلات تمنح الإيقاع صرامته الاحتفالية التي ترافقها رقصات طقوسية تعيد تشكيل مشاهد من حياة الواحة. ويصف أحد الباحثين في التراث الموسيقى المحلي الواحي قائلا: إن حضور رقصات مصاحبة لهذا الأداء يطبعها بطابع التميز والاحتفالية الفريدة.

معطيات تجعل موسيقى الواحات ب”الجرف” سجلا تاريخيا نابضا، يوثق لحياة الإنسان في ارتباطه بالأرض والماء والنخيل. مع ما يتميز به الفن البلدي بطابعه الجماعي وبإيقاعاته المتوارثة. لدرجة يمكن القول إن من يريد أن يفهم تاريخ الواحة. عليه أن يستمع إلى الفن البلدي… لأن فيه تُروى القصص أكثر مما تغنى.

مدرسة فنية تتجدد دون أن تفقد هويتها الاصيلة

رغم التحولات الاجتماعية والهجرات نحو المدن، ظل الفن البلدي ب”الجرف” قادرا على التأقلم وإعادة إنتاج نفسه بنفسه. حيث ظهرت في السنوات الأخيرة مجموعات شبابية عملت على صيانة هذا التراث وإعادة تقديمه بأسلوب حديث، دون المساس ببنيته الإيقاعية وروحه الشعبية الأصلية.

ووفق فاعلين ثقافيين محليين، فإن هذا التجديد “أعاد موسيقى الواحات إلى واجهة المهرجانات المحلية والجهوية”، كما ساهم في خلق موجة اهتمام جديدة بهذا الموروث الذي يمثل، وفق تصنيف وزارة الثقافة، أحد أشكال التراث اللامادي الجدير بالتوثيق.

ويرى مهتمون بالمجال أن هذا التراث محتاج لدعم مؤسساتي للحفاظ على أصالته وضمان استمراريته كتعبير ملتصق بالمكان والإنسان في عشق متسم بالتوحد. مع استثمار أهمية هذا الموروث الفني الخالد بالمنطقة لضمان استدامته لجعل المنطقة وجهة ثقافية وسياحية بامتياز.

وسيبقى هذا الفن علامة مضيئة مشرقة في سماء الواحات والتراث الشعبي المغربي المتجذر في عمق الصحراء. ناقلا حكايات وروايات عن عشق انطلق لكي لا يتوقف بين الإنسان والواحة.

جدير بالذكر، أن حماية هذا الفن يتصل بمقتضيات “القانون رقم 19.05″، المتعلق بالحفاظ على التراث الثقافي، الذي ينص على ضرورة جرد وتوثيق التراث اللامادي. فضلا عن دعم الجمعيات والفاعلين الثقافيين وتعزيز نقله إلى الأجيال الصاعدة.

تجدر الإشارة إلى أن “القانون رقم 19.05” معدل “للقانون الأصلي رقم 22.80″، المتصل بحماية التراث الثقافي. الهادف ل”تحديث” الإطار القانوني ليشمل مفاهيم جديدة كالتراث غير المادي، التراث المغمور بالمياه، الطبيعي والجيولوجي. مؤكدا على ضرورة إنشاء سجل وطني لجرد التراث. مشددا العقوبات ومنظما لتفويت التراث. حادا من تصدير القطع الأثرية ومعززا لدور الدولة في الحماية ومواجهة محاولات الاستيلاء عليها.

كما تنسجم الدعوات لحماية الفن البلدي مع توجهات “اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي  الصادرة عقب المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، المنعقد في باريس من 29 سبتمبر/أيلول إلى 17 أكتوبر/تشرين الأول 2003، في دورته الثانية والثلاثين. الذي عرض في مادته الاولى أهداف الاتفاقية. ضمنها صون التراث الثقافي غير المادي واحترام التراث الثقافي غير المادي للجماعات والمجموعات المعنية وللأفراد المعنيين. فضلا عن التوعية على الصعيد المحلي والوطني والدولي بأهمية التراث الثقافي غير المادي وضرورة إيلائه التقدير اللازم مع تقوية التعاون الدولي والمساعدة الدولية للحفاظ عليه وضمان استدامته. مشددا على أهمية إشراك المجتمعات المحلية في الحفاظ على تراثها الموسيقي والشفهي.

نحو إطار يدمج إدماج التراث الموسيقي في التنمية المحلية

يرى مختصون أن “الجرف” تمتلك رصيدا ثقافيا يؤهلها لتكون وجهة سياحية وثقافية، إذا ما تم الاستثمار في هذا التراث. وذلك عبر إنشاء مراكز للتكوين في الموسيقى التقليدية ورقمنة الأرشيف الموسيقي المحلي. إضافة لتنظيم مهرجانات موضوعاتية حول موسيقى الواحات ودعم البحث الأكاديمي الميداني المتصل بالمجال. وذلك لكون هذا التراث يعتبر وثيقة تاريخية تحفظ الذاكرة الجماعية وتعيد تشكيل وعيها بذاتها.

ويبقى الفن البلدي ب”الجرف” أكثر من مجرد موسيقى. إنه هوية مقاومة للنسيان ومرآة تعكس عمق الحضارة الواحية الممتدة عبر قرون. متحديا تسارع أشكال التغيير ليظل هذا الفن شاهدا على أن حماية الذاكرة الثقافية ليست مجرد التزام أخلاقي بل ضرورة مجتمعية لضمان استدامة التراث الأصيل عبر الأجيال.

Exit mobile version