الجريدة العربية – محمد حميمداني
تعيش مقبرة “سيدي غريب” على واقع وضع كارثي، الأمر الذي أثار حفيظة الساكنة ومرتادي هذا الفضاء الجنائزي، حيث تحولت من مكان للسكينة والترحم إلى مرتع للإهمال والفوضى، ما يطرح تساؤلات حارقة حول دور الجهات الوصية في صيانة حرمة الموتى.
فإن كانت المقابر تعتبر أماكن عامة تتمتع بخصوصيات لا بد من التقيد بها واحترامها وعدم التطاول عليها، تحت أية ذريعة كانت. احتراما لقدسية المكان ولما يحتويه من ارواح طاهرة تنتظر الدعاء لحظة السؤال، لا الإزعاج بأي وسيلة كانت.واقع يعكسه الوضع الحالي الذي تعيشه مقبرة “سيدي غريب”. التي أضحت تعيش على وقع تلاقي مسحة الحزن مع ارتفاع منسوب القلق في نفوس مرتادي هاته المقبرة والساكنة المحيطة، على حد سواء.هكذا، فقد تحولت هاته المقبرة، التي تضم رفات الأهل والأحباب والأجداد. من فضاء من المفترض أن ينال العناية اللازمة اتصالا بقدسية المكان. إلى مجال لشيوع الإهمال، ما حولها إلى رقعة لا تليق بحرمة وكرامة الموتى.المقبرة وواقع الاختلالاتتعيش مقبرة “سيدي غريب” على وقع عدة اختلالات، ضمنها انتشار الأعشاب الطفيلية، حيث تغطي النباتات العشوائية والأشواك مساحات واسعة من المقبرة. الأمر الذي نتج عنه طمس معالم العديد من القبور، فضلا عن صعوبة الوصول إلى البعض منها. دون أن ننسى ما أصبحت يعج به المكان من حشرات وزواحف بمختلف أصنافها.فالإهمال، لم يتوقف عند حدود الطبيعي منه. بل تعداه إلى ممارسات بشرية تسيء لقدسية المكان. مع تسجيل تراكم للأزبال، مع تحول زوايا من المقبرة إلى نقاط لتفريغ النفايات والقنينات الفارغة، في ظل غياب حاويات الأزبال أو عمليات تنظيف دورية. كما أضحت هاته المقبرة إلى وكر للمنحرفين. وذلك في ظل غياب الحراسة الكافية والإنارة. ما حول الفضاء لملاذ لبعض السلوكيات المنحرفة ليلا، مما ينتهك السكينة المفترضة لهذا المكان الطاهر.نداء من أجل “الكرامة الجنائزية”يشعر أهالي المدفونين في “سيدي غريب” بغصة وألم شديدين تجاه هذا “الواقع الكارثي” الذي أضحت تعيش تحت وقعه المقبرة. مؤكدين على ضرورة تحرك الجهات المختصة لإطلاق حملة تنظيف شاملة وإعادة الاعتبار لهذا الفضاء بما يحمله من دلالات كبرى. مبرزين أن المسؤولية عما يقع مشتركة. مؤكدين على دور المجتمع المدني التوعوي بضرورة احترام المقابر وحمايتها من التخريب والتدنيس.فاستمرار هذا الوضع الكارثي لا يسيء للمنظر العام للمقبرة فحسب، بل يتعداه للشق النفسي. حيث يشعر أهالي المدفونين بهاته المقبرة بغصة وألم عند رؤية المكان الذي يجمع رفات ذويهم غارقا في فوضى الأوساخ والأعشاب والطفيليات. فضلا عن تحولها ليلا لمرتع وملاذ لبعض السلوكيات المنحرفة، في ظل غياب أي رقابة فعلية تحمي المكان وتصون حرمته.من هنا، فإنقاذ مقبرة “سيدي غريب” مع ما تعيشه من إهمال. وإعادة الاعتبار للأجساد الطيبة التي تسكنها. هي مسؤولية مشتركة تتحملها الجهات الرسمية والمجتمع المدني. من هنا يصبح الدفاع عن المقبرة وحرمتها واجبا دينيا وأخلاقيا أكثر منه جماليا شكليا. الأمر الذي يفرض على الجميع احترام قدسيته والدفاع عنه، تقديرا لأرواح من رحلوا وغادرونا لدار البقاء. منتظرين رحمة من الأقرباء واحتراما لقدسية محيط يحوي أجسادهم المسجاة التي ترتجي النوم في أمان واطمئنان.إن الحالة التي وصلت إليها مقبرة “سيدي غريب” هي انعكاس مباشر لتقصير في “أخلاقيات التدبير المحلي”. حيث أن المقبرة ليست مجرد “عقار مهمل”، بل هي ذاكرة جماعية وفضاء له قدسية دينية واجتماعية كبرى. وبالتالي فتحولها إلى مكان “تائه” بين الأشواك والأزبال يسيء لصورة المدينة قبل أن يسيء للموتى. إن إنقاذ هاته المقبرة لا يتطلب ميزانيات ضخمة بقدر ما يتطلب “إرادة” لإعادة الهيبة للموت، فإكرام الميت يبدأ من صيانة منزله الأخير. وضع يتطلب تدخلا استعجاليا قبل حلول فصل الصيف، لتفادي خطر الحرائق في تلك الأعشاب اليابسة وحماية الزوار من الزواحف.
