الجريدة العربية
حب الأوطان من الإيمان، لكن العودة إلى المغرب في الصيف لم تعد رحلة شوق زحب ولا مناسبة عائلية. لقد صارت فخاً منصوباً بإتقان، كابوساً يتكرر كل عام، حيث يجد مغاربة العالم أنفسهم بين مخالب شركات الطيران، وأنياب الفنادق والمطاعم، وصمت حكومة تنظر إليهم وكأنهم مجرد أرقام في دفاتر التحويلات البنكية. جموع من أبناء الوطن المهاجرين، الذين يكدحون في أوروبا ليحملوا لقمة العيش والحب والحنين إلى بلدهم، يجدون أنفسهم رهائن في مطارات خانقة، وأسواق سياحية تستقبلهم لا كأبناء، بل كفرائس سهلة.
انظروا إلى الخطوط الملكية المغربية، التي لم تعد مجرد شركة طيران، بل تحوّلت إلى رمز للابتزاز الرسمي. أسعار التذاكر تكوي الجيوب قبل أن تطأ الأقدام أرض الوطن. رحلة عائلية صغيرة من باريس إلى الدار البيضاء ، أو من مطار إيطالي نحو مراكش أو الدار البيضاء، تكلف ما يكفي لقضاء إجازة كاملة في تركيا أو إسبانيا أو اليونان مع إقامة خمس نجوم وخدمات محترمة. ومع ذلك، تصر الشركة على الترويج لنفسها كشركة “وطنية”، بينما هي تمارس عملية نهب مُمأسس، دون خجل، وبتواطؤ كامل من حكومة ترفع شعار “النموذج التنموي الجديد”. أي نموذج هذا الذي يبدأ بإذلال مواطنيه قبل حتى أن يلامسوا أرض الوطن؟
وحين نصل إلى الحكومة، يطل عليك الوزير عزيز أخنوش بأرقامه الباردة، “17,4 مليون سائح في 2024″، “زيادة في عدد الوافدين”، “تحقيق إنجازات غير مسبوقة”. لكن نصف هؤلاء الذي صنعوا “الإنجازات” ليسوا سياحاً أجانب، بل هم أبناء الجالية الذين يعودون بدافع الحب والواجب والارتباط بالوطن. فهل يُعقل أن يُحسب شوق المغاربة إلى عائلاتهم ضمن “نجاحات” رئيس الحكومة؟ الحقيقة أن رئيس الحكومة يعيش في برج زجاجي، محاط بمستشارين يصفقون للأرقام، بينما الجالية تعيش الإذلال اليومي في الفنادق والمقاهي والمطارات ، حيث أن إنجازاته الورقية، تضرب في عمق مصداقيته التي تتهاوى كلما نطق .
أما وزارة السياحة، فقد بلغت قمة الغياب. السيدة فاطمة الزهراء عمور لا تظهر إلا في المعارض الدولية، تبتسم للكاميرات وتبيع أحلاماً وردية عن المغرب كـ”جنة سياحية”. لكن، على الأرض، الواقع جحيم، فنادق بأسعار جنونية، مطاعم لا تعرف الرحمة، مقاهي تحولت إلى مصائد لنهب جيوب الوافدين. غياب تام للرقابة، صمت مطبق من الوزارة، واستسلام كامل للوبيات السياحة، والوزيرة بلا أثر، ولسان الحال يقول : “الوزارة بلا دور، وقطاع السياحة يُترك للفوضى والابتزاز”.
وبينما تتعالى أرقام التحويلات المالية التي يرسلها المغاربة المقيمون بالخارج، يحتفل بنك المغرب ووزارة المالية بهذه “المليارات” وكأنها إنجاز من صُنعهم. الجواهري يتحدث عن استقرار الميزان التجاري، والوزيرة تتفاخر بأرقام التحويلات، لكنهم ينسون أن هذه الأموال تأتي من عرق جبين مغاربة العالم. وعندما يزور هؤلاء بلدهم، لا يجدون إلا الطوابير الطويلة، الأسعار الملتهبة، والفوضى في الخدمات. وكأن الرسالة واضحة: “أرسلوا أموالكم، لكن لا تنتظروا كرامة ولا احتراماً عند العودة”.
الأمر لم يعد يتعلق بشركة طيران جشعة، ولا بلوبيات فندقية متوحشة، بل بمنظومة كاملة اختارت أن تعامل أبناء الوطن كأرقام بنكية. حكومة عاجزة عن فرض رقابة، برلمان صامت كالأصمّ، مؤسسات رقابية لا تتحرك إلا عند الأوامر، وإعلام رسمي يزين الصورة ويُسكت الأصوات. السفر هنا لم يعد نحو بيت يفتح ذراعيه لأبنائه، بل صار حوصلة مالية ضخمة تلسعهم في موسم الصيف، وتستنزف جيوبهم باسم “الاقتصاد الوطني”.
السياحة في الوطن الذي نحلم به لا تساوي هذه الصورة المبتذلة. السياحة في الوطن يجب أن تكون حضناً دافئا، بيتاً لا فندقاً غالياً، مكاناً للكرامة لا مسرحاً للابتزاز. لكن، ما دام أخنوش يتفاخر بالأرقام، والوزيرة غائبة في صمتها، والخطوط لارام تستعرض جشعها، والجواهري يرقص على مليارات التحويلات، فإن صيف العودة إلى الوطن لن يُكتب في الذاكرة إلا كصيف الجحيم، صيف الخيبة، وصيف المواسم التي يبتلع فيها الجشعون أبناء أبناء هذا الوطن بدمٍ بارد.
