الجريدة العربية – محمد حميمداني
يشهد المشهد السمعي البصري المغربي أزمة بنيوية عميقة، تلقي بظلالها على مستقبل الإنتاج الوطني وجودة المحتوى. وذلك في ظل غياب العدالة التنافسية والشفافية في تدبير الصفقات العمومية الخاصة بالإنتاج السمعي البصري. فشركات محدودة لا تزال تهيمن على القطاع، مستفيدة من طريقة إعداد دفاتر التحملات. وهو ما يحد من تكافؤ الفرص مقوضا بالتالي روح المنافسة والابتكار.
إن النهوض بالمشهد السمعي البصري المغربي، العاجز اليوم، يتطلب ضمان الولوج المنصف والشفاف للمشهد وتجاوز منطق تغييب المساواة في الولوج والمشاركة في الصفقات العمومية. والتخلي عن الطريقة التمييزية التي تدار بها عملية إعداد دفاتر هاته الصفقات التي تظفر بها شركات محظوظة.
وضع يتعكس على القطاع الذي يعيش أزمة هيكلية حادة، تهدد وجود العشرات من الشركات بالإفلاس. بسبب سياسة “الاحتكار” الممنهج الممارس من قبل القطب العمومي. المكرسة لهيمنة “شركات محظوظة” قليلة، وإقصاء الجزء الأكبر من المقاولات المؤهلة. في مشهد يفضي إلى “رداءة” المنتوج الإعلامي.
تجدر الإشارة إلى ان الإنتاج السمعي البصري يتضمن صناعة التصميم. إضافة لإنتاج الأعمال السمعية البصرية، ضمنها الأفلام السنمائية والوثائقيات ومقاطع الفيديو والبرامج التلفزيونية والأفلام المؤسساتية.
إشكالية الولوج العادل للصفقات العمومية
يتطلب النهوض بالمشهد السمعي البصري، اليوم. ضمان الولوج المنصف والشفاف للفقات العمومية أمام جميع الفاعلين. وتجاوز منطق “الزبونية” الذي تذهب ضحيته العديد من المقاولات الإعلامية الصاعدة.
كل ذلك يتم على الرغم من كون القانون المتعلق بالصفقات العمومية، يلزم الإدارات العمومية باحترام مبادئ الشفافية والمنافسة والمساواة. إلا أن الواقع يكشف عن خلل في تطبيق هاته المبادئ على مستوى الإعلام العمومي، حيث تتم صياغة دفاتر التحملات على مقاس شركات بعينها.
فالأمر يتعلق بقطاع يتغدى من الدعم المالي العمومي، إلا انه يعيش على وقع ضعف التنافسية. وانحدار مستوى جودة المنتوج. وهو ما يتطلب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي المنتهج داخل هذا القطب. والتحلي بالشجاعة في اتخاذ قرارات تضمن النجاعة. والشفافية في تدبير الإعلام العمومي بما يضمن المساواة في الحظوظ بناء على معيار الأصلح وليس الأقرب.
إن المطلوب تغيير بوصلة اشتغال القطب العمومي مع دفاتر التحملات وتنظيم عمليات طلبات العروض والإعلان عن النتائج. والأعمق من كل ذلك تغيير طريقة اشتغال اللجن التقنية لتقييم الأعمال الفنية وتوجيه بوصلتها نحو تجويد العمل. وإعمال مبادئ الشفافية والنزاهة والمراقبة. مع إعطاء الفرصة للمقاولات الإعلامية الوطنية، التي تزخر بها بلادنا. من خلال إمدادها بمقومات الحياة. والقضاء على اللوبيات التي تحتكر المشهد السمعي البصري. وهو الأمر الذي يستدعي توفر إرادة سياسية وطنية من اجل النهوض بالمشهد وجعله يقوم بواجبه المجتمعي والوطني بفعالية.
صناعة السمعي البصري بين الدعم العمومي ورداءة المنتوج
الواقع القائم واجتكار المشهد من قبل نفس الشركات المحظوظة. يحكم على باقي شركات الإنتاج بإعلان الإفلاس. كما أن استمرار السلطة في احتكار مجال الإعلام السمعي المرئي وبسط هيمنتها عليه. وتكريس توجهات معينة في كل المنتجات التلفزيونية. يفقد المشهد القابلية للتجدد والحياة والمنافسة، لأن الإبداع المقيد لا يولد سوى العبودية القاتلة. فبدون حرية لا يمكن بناء مشهد إعلامي سمعي بصري قادر وحامل لرسائل اجتماعية ووطنية وإنسانية في قالب إبداعي راق بما يحقق التوسع وقوة الحضور. كما أن فتح المجال أمام الجميع في إطار منافسة حقيقية سيؤدي بالضرورة لتجويد الأعمال مع إتاحة الاختيار للمشاهد لمتابعة ما يناسبه.
إن الرداءة التي تطبع مجموعة من الإنتاجات الوطنية، هي إعلان لعجز الحكومة عن إصلاح قطاع الإعلام السمعي البصري في المغرب. وهو ما يستوجب من هاته الأخيرة الوعي بالأمر. وبالتالي إطلاق إصلاح للقطاع مدخله فتح نقاش وطني ديمقراطي عميق في إطار مقاربة تشاركية تجمع الجميع. وعقد سلسلة من اللقاءات والندوات في موضوع دمقرطة الولوج للميدان. وفرض دفاتر تحملات بشروط صارمة وموضوعية تراعي الجودة. وتتجاوز المعايير الغامضة في منح الصفقات. مع ضرورة تحرير القطاع لما تكتسيه العملية من أهمية، إذ لا ديمقراطية ولا نمو بدون إعلام حر ونزيه. فحينما تمنح الفرص على أساس القرب أو البعد أو المصالح. يصبح الإعلام مرآة للرداءة لا للتنمية.
القطب العمومي ومسؤولية التغيير البنيوي
يتعين على القطب العمومي مراجعة آليات اشتغاله فيما يتعلق بدفاتر التحملات وتنظيم طلبات العروض، وضمان الإعلان عن النتائج وفق معايير موضوعية. كما أن اللجان التقنية المكلفة بالانتقاء مطالبة بتبني مناهج جديدة تقوم على الكفاءة والجودة والابتكار، بعيدا عن الولاءات والعلاقات الخاصة.
إن تمكين المقاولات الإعلامية الوطنية الصغيرة والمتوسطة من فرص متكافئة من شأنه كسر دائرة الاحتكار، وإعادة الثقة إلى القطاع. إذ لا يمكن قيام ديمقراطية حقيقية دون إعلام حر، ولا إعلام حر دون عدالة في توزيع الفرص.
إن استمرار نفس الشركات في احتكار الإنتاج، يعني خنق الإبداع وطمس التعددية الثقافية والفكرية في المحتوى الإعلامي. فالإبداع المقيد لا يلد إلا منتوجا باهتا ومتشابها. كما ان الرداءة في الإنتاجات الوطنية ليست إلا انعكاسا لعجز الحكومة عن إصلاح القطاع السمعي البصري، رغم التقارير الرسمية التي دعت إلى إعادة هيكلته وربطه بمبادئ الحكامة الجيدة. ولعل فتح المجال أمام منافسة حقيقية، ستمكن المشاهد المغربي من الاختيار بحرية بين أعمال متنوعة وذات جودة.
الأمر الذي يتطلب تحقيق إصلاح شامل للقطاع كضرورة وطنية عاجلة، تتطلب دمقرطة الولوج إلى الصفقات العمومية وضمان العدالة التنافسية وتفعيل المراقبة والمحاسبة في تدبير الدعم العمومي. إضافة لتحرير القطاع من اللوبيات الإعلامية التي تعيق التجديد وإطلاق حوار وطني موسع يضم الفاعلين الحكوميين والمهنيين والأكاديميين. فضلا عن إدماج معايير الجودة والإبداع في دفاتر التحملات بدل التركيز على العلاقات.
إن تحرير الإعلام السمعي البصري ليس مطلبا مهنيا فحسب، بل استحقاقا ديمقراطيا. فإصلاح هذا القطاع هو حجر الأساس لأي تحول تنموي ومجتمعي حقيقي. كما أن الشجاعة في اتخاذ القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة، هي الكفيلة بإعادة الاعتبار لمهنة الإعلام، وجعلها رافعة للنمو لا أداة للهيمنة.
فالواقع الذي يعيشه المشهد الإعلامي السمعي البصري يتسم بهيمنة احتكار مقنع، يقوم بدور إقصاء شركات الإنتاج الخاصة عبر صياغة “دفاتر تحملات” موجهة ومحددة سلفا لصالح شركات بعينها. مع تغييب الشفافية، من خلال اعتماد طلبات عروض وإعلان عن نتائج تفتقر إلى الوضوح. وسط غياب للمراقبة الفعلية على عمل اللجان. كما ان هاته الأشكال الممارسة تؤدي لإهدر المال العام، من الدعم العمومي المخصص للقطاع بتوجيهه نحو شركات محددة دون ضمانات للجودة أو النجاعة. وهو ما يمثل تهديدا وجوديا لعشرات الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تواجه خطر الإغلاق بسبب حرمانها المتكرر من الاستفادة من الصفقات العمومية.
جدير بالذكر أن القطب العمومي يضم القنوات التلفزية والإذاعية العمومية التي تمول من أموال دافعي الضرائب. كما ان الصفقات العمومية إجراءات قانونية لاختيار مقاولين لتنفيذ مشاريع أو تقديم خدمات. والتي يجب أن تخضع لمبادئ المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص بين جميع المقاولين.
