مونديال 2030: الحملة السياسية ضد المغرب تصطدم بحقائق الواقع

الجريدة العربية – الرباط

في بعض الأحيان، لا يكفي النظر إلى الجدل السياسي من خلال الاتهامات التي تُطرح في واجهته، بل يتعين أيضًا النظر في مصالح الأطراف التي تغذيه والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. فمنذ أيام، تصعّد أطراف من المشهد السياسي الإسباني حملتها ضد المغرب، إلى درجة المطالبة بإبعاد المملكة عن تنظيم كأس العالم 2030، مستعملةً قضايا حقوق الإنسان تارة، وملف الهجرة تارة أخرى، لتتحول العلاقة مع الرباط إلى مادة في صراع سياسي داخلي، في الوقت الذي تواصل فيه حكومتا البلدين وصف علاقتهما بالشراكة الاستراتيجية، كما تواصل المؤسسات الإسبانية والمغربية العمل المشترك للتحضير لهذا الاستحقاق الرياضي العالمي.

ولا يمثل هذا السلوك ظاهرة جديدة في المشهد السياسي الإسباني، إذ ظل المغرب، خلال السنوات الماضية، حاضرًا بصورة خاصة في النقاش السياسي داخل إسبانيا، باعتباره بلدًا قريبًا جغرافيًا واستراتيجيًا، وشريكًا مؤثرًا في ملفات الهجرة والأمن والاقتصاد والتعاون الإقليمي. غير أن الجديد في المرحلة الراهنة يتمثل في محاولة نقل هذا التجاذب السياسي إلى قلب مشروع كأس العالم 2030، وتحويل المشاركة المغربية في تنظيم البطولة إلى ورقة جديدة في الصراع الحزبي الإسباني.

وفي هذا السياق، طالب حزب “فوكس” اليميني المتطرف، بقيادة سانتياغو أباسكال، الحكومة الإسبانية بالتوجه إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا للمطالبة باستبعاد المغرب من التنظيم، بينما أعلنت قوى يسارية، من بينها “سومار” و”بوديموس”، مواقف تدعو بدورها إلى إعادة النظر في المشاركة المغربية، في حين لا يفوّت “الحزب الشعبي” بدوره فرصة توظيف العلاقة مع الرباط في الضغط على حكومة بيدرو سانشيز. وهكذا، وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات الإيديولوجية والسياسية لهذه الأحزاب، فإن المغرب تحول إلى نقطة التقاء في استراتيجيات سياسية متباينة، يجمع بينها توظيف العلاقة مع المملكة في الصراع الداخلي.

غير أن إعادة وضع هذه الحملة في سياقها الحقيقي تكشف أن ما يجري لا يعكس أزمة شاملة بين الرباط ومدريد، كما لا يمثل موقفًا موحدًا للطبقة السياسية الإسبانية. بل يبدو، وفق المعطيات التي يطرحها المقال، أقرب إلى توظيف سياسي للعلاقة مع المغرب من جانب أحزاب تسعى إلى استثمار ملف بالغ الحساسية لدى الناخب الإسباني، سواء لمهاجمة الحكومة القائمة، أو تعبئة قواعدها الانتخابية، أو إعادة تثبيت هويتها السياسية.

بين الخطاب السياسي والعمل المؤسساتي

المفارقة الأبرز أن التصعيد السياسي ضد المغرب يجري في وقت تواصل فيه مؤسسات البلدين توسيع مجالات التعاون بينهما. ففي أبريل 2026، وقّع وزراء العدل في المغرب وإسبانيا والبرتغال بالرباط مذكرة تعاون قضائي تمتد إلى نهاية سنة 2030، وتشمل تعزيز التعاون في مجال المساعدة القضائية، والعدالة الرقمية، ومكافحة الجريمة والجرائم الإلكترونية، مع إدراج كأس العالم 2030 صراحة ضمن هذه الدينامية.

وبذلك، بينما تنشغل بعض الأحزاب بالمزايدات السياسية، تواصل الإدارات والمؤسسات العمل على الملفات المشتركة. وهو ما يكشف بوضوح الفارق بين الخطاب الحزبي الذي يبحث عن الإثارة السياسية، وبين العمل المؤسساتي الذي تحكمه المصالح الاستراتيجية والالتزامات العملية.

ويقدم مونديال 2030، في حد ذاته، واحدة من أقوى الحقائق التي تدحض الرواية القائلة إن المغرب مجرد طرف يمكن إبعاده بقرار سياسي إسباني. ففي أكتوبر 2023، قرر مجلس “فيفا” أن الملف المشترك الذي تقدمت به المغرب والبرتغال وإسبانيا سيكون الملف الوحيد المرشح لتنظيم البطولة. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الملف ثلاثيًا بصورة رسمية.

وقد عملت الاتحادات الكروية في البلدان الثلاثة بصورة مشتركة على إعداد ملف الترشيح، قبل أن تخضعه “فيفا” لتقييم شامل شمل البنيات التحتية والخدمات والجوانب التجارية والاستدامة وحقوق الإنسان. وفي نوفمبر 2024، خلص تقرير التقييم إلى أن الملف يتجاوز المتطلبات الدنيا المحددة لاستضافة المنافسة، قبل أن يصادق المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الدولي لكرة القدم، في 11 ديسمبر 2024، على اختيار المغرب والبرتغال وإسبانيا دولًا مضيفة لمونديال 2030.

وهذه الوقائع تحمل دلالة واضحة، فالمغرب ليس ضيفًا على مشروع المونديال بقرار إسباني، ولا طرفًا أُضيف إلى الملف بعد أن حصلت إسبانيا على حق التنظيم، وإنما هو أحد البلدان الثلاثة المضيفة بموجب قرار صادر عن أعلى هيئة كروية دولية.

كما أن الترشيح نفسه قام منذ البداية على فكرة الشراكة بين الدول الثلاث، بما يجمع بين ثلاث اتحادات كروية وقارتين، وهو أحد العناصر الأساسية التي ميزت المشروع الذي حظي بثقة “فيفا”. كما أن الاتحاد الملكي الإسباني لكرة القدم دافع طوال فترة طويلة عن الترشيح المشترك وشارك في إعداد ملفه.

حقوق الإنسان.. بين المبدأ والتوظيف السياسي

أما الاستناد إلى حقوق الإنسان باعتبارها مبررًا لإقصاء المغرب، فلا يبدو أكثر تماسكًا عند وضعه في سياق مسار منح الاستضافة. فحقوق الإنسان كانت أصلًا ضمن المعايير التي أخذها الاتحاد الدولي لكرة القدم بعين الاعتبار خلال تقييم ملف الترشيح، وبالتالي فإن تقديمها اليوم باعتبارها عنصرًا مكتشفًا حديثًا أو ذريعة لإعادة النظر في قرار الاستضافة يثير سؤالًا جوهريًا حول دوافع هذا الطرح.

فإذا كانت هذه القضايا قد دخلت بالفعل ضمن عملية التقييم التي سبقت قرار منح التنظيم، فإن السؤال لا يتعلق فقط بحقوق الإنسان في حد ذاتها، وإنما بسبب تحويلها بعد صدور القرار إلى أداة سياسية للمطالبة بإقصاء أحد البلدان المضيفة، بعدما كان الموضوع جزءًا من عملية تقييم دولية شاملة.

وفي المقابل، فإن المشهد الحقوقي الإسباني نفسه لم يكن بمنأى عن انتقادات متكررة من جانب منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان. فقد سجلت منظمة العفو الدولية في تقاريرها انتقادات تتعلق بقيود اعتبرتها غير متناسبة على الحق في التجمع السلمي، وباستمرار بعض المقتضيات القانونية التي أثارت مخاوف بشأن حرية التعبير، فضلًا عن توثيق حالات مرتبطة بالاستخدام المفرط للقوة خلال بعض الاحتجاجات.

كما واصلت منظمة “هيومن رايتس ووتش” تسجيل ملاحظات بشأن حرية التعبير وبعض القيود المفروضة على التظاهرات، إلى جانب قضايا مرتبطة بأوضاع فئات تواجه السلطات. بدوره، أصدر مجلس أوروبا خلال السنوات الأخيرة توصيات إلى مدريد في عدد من الملفات المرتبطة بعمل المؤسسات ومكافحة التمييز والحماية الفعلية للحقوق الأساسية.

ولا يعني استحضار هذه المعطيات إجراء مقارنة مصطنعة بين المغرب وإسبانيا، وإنما يذكّر بمبدأ أساسي، يتمثل في أن حقوق الإنسان لا يمكن أن تكتسب مصداقيتها كمرجعية سياسية إلا عندما تُطبق بالمعايير نفسها، داخل الدول وخارجها، دون انتقائية أو توظيف ظرفي ضد شريك أجنبي.

المغرب في قلب المزايدة الحزبية

ويبدو حزب “فوكس” حالة واضحة في هذا السياق، بالنظر إلى أن خطابه السياسي يقوم بدرجة كبيرة على قضايا الهجرة والحدود والسيادة الوطنية، كما سبق أن واجه انتقادات من منظمات حقوقية بسبب عدد من مواقفه وحملاته السياسية. ومن هنا، فإن تحويل المغرب إلى محور في خطاب الحزب بشأن المونديال والهجرة لا يمكن فصله عن طبيعة أجندته السياسية الداخلية.

غير أن القضية لا تتوقف عند “فوكس”. فالأكثر دلالة هو التقاء أطراف سياسية مختلفة على استخدام الملف المغربي، رغم اختلاف منطلقاتها. فـ”فوكس” يوظف القضية ضمن خطاب الهجرة والسيادة، بينما يستخدم “الحزب الشعبي” العلاقة مع الرباط في مواجهة حكومة سانشيز، في حين تتحرك “سومار” و”بوديموس” من زاوية خطاب حقوق الإنسان.

النتيجة واحدة، وهي أن المغرب يتحول إلى هدف في لعبة المزايدة السياسية، بينما تواصل المؤسسات الرسمية في البلدين بناء مسارات تعاون تتجاوز بكثير الضجيج الحزبي.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين السياسة الحزبية والعمل المؤسساتي. ففي الوقت الذي يطالب فيه بعض السياسيين الإسبان بالابتعاد عن الرباط، تواصل الحكومتان التعاون. وفي الوقت الذي ترتفع فيه أصوات تطالب بإعادة النظر في مونديال 2030، تواصل إدارات الدول الثلاث العمل على التحضير للبطولة. وفي الوقت الذي يقدم فيه البعض العلاقة المغربية الإسبانية باعتبارها مشكلة، تعمل العاصمتان على توسيع مجالات التعاون في ملفات تمس مصالحهما المشتركة مباشرة.

المونديال أكبر من الحسابات الانتخابية

إن اختيار المغرب والبرتغال وإسبانيا لتنظيم كأس العالم 2030 يمثل مثالًا واضحًا على حدود المزايدات السياسية. فالأطراف التي تتحدث اليوم كما لو أن المغرب يمكن إخراجه من التنظيم بقرار سياسي بسيط، تعرف جيدًا أن منح البطولة من اختصاص فيفا، وتعرف كذلك أن الترشيح كان مشتركًا منذ البداية، وأن الدول الثلاث التزمت منذ سنوات بمسار تحضيري طويل ومكلف.

ومن ثم، فإن محاولة تقديم المشاركة المغربية وكأنها امتياز يمكن لإسبانيا سحبه متى شاءت لا تنسجم مع الوقائع القانونية والمؤسساتية للبطولة.

المغرب ليس في حاجة إلى خوض معركة دفاعية أمام كل تصريح حزبي أو كل حملة سياسية عابرة. فالوقائع أكثر قوة من الشعارات، فالفيفا اختارت ملفًا مشتركًا، وأخضعت الملف للتقييم، وأدرجت حقوق الإنسان ضمن معاييرها، ثم صادق مؤتمرها على اختيار المغرب والبرتغال وإسبانيا دولًا مضيفة للمونديال. وفي الوقت ذاته، تواصل البلدان الثلاثة العمل على إنجاح هذا الاستحقاق، بينما تواصل الرباط ومدريد تطوير علاقتهما الثنائية على أساس الشراكة والتعاون.

وبطبيعة الحال، يحق لأي حزب سياسي إسباني أن يعارض هذه التوجهات، وأن يطالب بسياسة أكثر تشددًا تجاه الرباط، أو أن يدافع عن مقاربة مختلفة للهجرة، أو أن يستخدم الملف المغربي في صراعه مع الحكومة. بل يمكنه أيضًا محاولة تحويل مونديال 2030 إلى منصة جديدة لهذا التجاذب.

لكن التصريحات السياسية، مهما ارتفع سقفها، لا تغير قرار فيفا، ولا تلغي حقيقة أن المغرب أحد البلدان الثلاثة المضيفة للبطولة.

وفي النهاية، تصطدم هذه الحملة السياسية ضد المغرب بحدودها الأساسية: تستطيع أن تصنع الضجيج، لكنها لا تستطيع تغيير الحقائق. والمغرب ليس ضيفًا على مونديال 2030، بل هو بشكل مطلق أحد البلدان الثلاثة التي اختارتها فيفا لاستضافة البطولة. وليس شريكًا تقبله مدريد على مضض، بل أحد الأعمدة الأساسية لملف دولي مشترك جرى الإعداد له واعتماده رسميًا.

أما محاولة تقديم المغرب باعتباره طرفًا يحتاج إلى “شهادة حسن سلوك” من أحزاب توظف الملفات المشتركة في صراعاتها الداخلية، فإنها تظل في النهاية جزءًا من معركة سياسية إسبانية أكثر مما هي تعبير عن واقع العلاقة بين الرباط ومدريد.

Exit mobile version