مصرح طفلين مغربيين أثناء محاولة الهجرة في سبتة يطرح سؤال المسؤواليات والكرامة

الجريدة العربية – محمد حميمداني

 

قال “الحرس المدني الإسباني” إن عناصره انتشلت جثة طفلين مغربيين غرقا بشاطئ المدينة. لترتفع بذلك حصيلة ضحايا الهجرة غير النظامية خلال هاته الفترة من العام الجاري ل26 قتيلا. وهو رقم مخيف ومقلق يفوق حصيلة العام الماضي بأكمله. في مؤشر مأساوي على تفاقم الأزمة.

ووفق ما أوردته التقارير الأمنية الإسبانية فإن الطفلين كانا يرتديان ملابس عادية، ودون أي معدات للسباحة. وهو ما يعزز فرضية محاولتهما عبور البحر بطريقة غير نظامية في ظروف بالغة الخطورة.

وقد تم نقل جثة نقل جثة الضحيتين للمستشفى من أجل إخضاعهما للتشريح الطبي لتحديد الظروف الفعلية للوفاة وأعمارهما بدقة.

مأساة تنضاف لسلسلة المآسي الدامية التي وقعت على فصولها الذرامية. رياح الهجرة وركوب الموت من أجل النجاة الاقتصادي. في رحلة ركوب المجهول وهو ما يعمق فصول النزيق الذي لا يتوقف.

وفي سياق متصل تعاني مراكز استقبال المهاجرين من أزمات خانقة. حيث يعاني “مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين (CETI)” من اكتظاظ حاد. إذ يستقبل نحو 800 شخصا فيما لا تتجاوز طاقته الاستيعابية 512. بينما تحول “قسم رعاية القاصرين” لفضاء مكتظ بالنزلاء. حيث يستضيف حوالي 500 طفلا. فيما طاقته الاستيعابية لا تتعدى 132.

وضع دفع السلطات الإسبانية لاتخاذ إجراءات ترقيعية. ضمنها نصب خيام وتحويل فضاءات قاعات لمراكز إيواء مؤقتة. إلا أن هاته الحلول لا تحل المشكلة ولا تحد من عمق المأساة. وذلك في ظل استمرار الضغط المتزايد باستمرار على هاته المراكز. وهو ما يحولها لنقطة ساخنة عاكسة بالتالي حجم التحديات الإنسانية والأمنية على حدود أوروبا الجنوبية.

أرقام تعكس حجم المعاناة والمأساة الصادمة ذات الصلة بالهجرة والتي لا تتوقف بل تستمر بحدة. بل والأخطر من كل ذلك أن شبابا وأطفالا يافعين يشكلون حطب أزمات بلادهم. يلجأون لهاته الرحلات المميثة طعما للوصول لفردوس متخيل جنة لكنه يتجول إلى ذراما متحركة عبر قوارب أو سباحة. فيما تبقى مراكز الإيواء والاستقبال كانتونات إنسانية تتوسد على أزمات إنسانية تفضح زيف الشعارات حول الإنسية. عاكسة فشل السياسات المحلية والأوروبية في إدارة ملف الهجرة بما يحفظ الكرامة ويحمي الأرواح.

فهل ستكون هاته الأرواح والمعاناة الجديدة نقطة تفجر أسئلة حول هذه المآسي المتجددة؟ منبهة بالتالي الضمير الإنساني لعمقها، إن كان هذا الضمير لا يزال حيا. عبر إجراء مراجعة جذرية للسياسات المتبعة؟ أم ستبقى “سبتة” ومثلها من المناطق الحدودية مسرحاً لمزيد من هاته المعاناة الإنسانية التي تدفع ثمنها الأرواح البريئة؟ أسئلة تبقى معلقة وتنتظر الجواب بعيدا عن المزايدات السياسية والخطابات الشعبوية التي تتاجر بآلام البراءة في واقع يتحول شيئا فشيئا نحو مزيد من الاستعباد.

وقائع تفتح آلاف الأسئلة حول فشل السياسات الأوربية في الحد من مآسي المهاجرين وانهيار مراكز الاستقبال. وهو ما يطرح أسئلة مصيرية حول سبب فشل هاته السياسات.

سبتة: البوابة الملتهبة 
تجدر الإشارة إلى أن “سبتة”، مدينة مغربية تم احتلالها منذ عام 1415. تتمتع بوضعية “منطقة حكم ذاتي” تابعة للتاج الإسباني. تقع المدينة على الساحل الشمالي لأفريقيا، وتشكل مع “مليلية” الحدود البرية الوحيدة بين “الاتحاد الأوروبي” و”القارة الأفريقية”. موقع استراتيجي يجعلها نقطة جذب دائمة للمهاجرين الراغبين في الوصول ل”أوروبا” بحثا عن الرفاه. سواء عبر المجازفة عن طريق السباحة أو التسلق الجماعي للأسوار الحدودية أو الاختباء في المركبات العابرة للمعبر.

كما تجدر الإشارة إلى أن “اتفاقية جنيف لحقوق الطفل”، في مادتها 6، ذات الصلة بالحق في الحياة. والمادة 22، ذات الصلة بحماية الطفل اللاجئ. تنص على وجوب اتخاذ الدول جميع التدابير لحماية الأطفال. كما تؤكد على مبدأ عدم الإعادة القسرية. وهي قاعدة آمرة في القانون الدولي تمنع إعادة الشخص إلى دولة حيث يكون معرضا فيها للخطر. كما يواجه “نظام اللجوء الأوروبي المشترك” انتقادات حادة بسبب عدم تكافؤ عبئ استقبال طالبي اللجوء بين الدول الأعضاء. ضمنها إيطاليا، إسبانيا، اليونان ودول أخرى. وهو ما يفاقم الأزمة على الحدود الجنوبية.

فالوضع القائم الذي يفجر هاته المآسي يعكس فجوة بين السياسات المنتهجة والقيم الإنسانية. فتقديم حلول ترقيعية، كما وقع في إسبانيا. من قبيل نصب الخيام وتحويل القاعات. هي إجراءات ترقيعية، أي أنها رد فعل غير مستدام. فالجذر الحقيقي للأزمة هو غياب سياسة أوروبية موحدة وشاملة للهجرة. وذلك من خلال معالجة الجذور الاقتصادية والأمنية في بلدان المنشأ. مع توفير قنوات هجرة قانونية وآمنة، وذلك لتجفيف منابع شبكات التهريب. وبناء نظام لجوء عادل يتم تطبيقه بشكل متساوٍ في جميع دول الاتحاد. فضلا عن إقامة تعاون حقيقي مع دول العبور والمصدر، قائم على الشراكة الحقيقية وليس التسييج فقط.

فلا أحد يعبر البحر إلا لأن الباب الأمامي مغلق. فالمطلوب قنوات قانونية وآمنة للهجرة لتجنب هاته المآسي. لأن الأزمة القائمة لا تكمن في الأرقام بل هي في العمق أزمة إنسانية ناجمة عن فشل سياسي متعمد.

فالمأساة الجديدة المسجلة ب”سبتة” ليست حادثة معزولة، بل عرض صادم لأزمة نظامية. إنها جرس إنذار يدق بقوة عاكسا فشل السياسات الحالية القائمة على التسييج والردع. لأنها لم تعمل إلا على زيادة أرقام الضحايا وثراء شبكات التهريب. والسؤال الجوهري المطروح ليس هل سيتكرر الحدث، بل متى؟. والجواب رهين بإرادة سياسية حقيقية لإجراء مراجعة جذرية تضع حماية الحق في الحياة فوق كل اعتبار.

Exit mobile version