الجريدة العربية
سجلت المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع خلال سنة 2025 ما مجموعه 302 ألفاً و719 قضية جديدة، في حين أصدرت أحكاماً في 324 ألفاً و595 ملفاً، بما يفوق عدد القضايا المسجلة خلال السنة نفسها، وذلك في سياق مواصلة جهود تصفية الملفات المتراكمة.
وتعمل المحكمة بموارد بشرية تضم 67 قاضياً و147 موظفاً، في مواجهة ضغط متزايد ناتج عن كثرة القضايا وتنوعها، وهو ما يضعها أمام معادلة دقيقة تتمثل في تحقيق النجاعة والسرعة، دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة أو تحويل العدالة إلى مجرد سباق مع الأرقام.
وتشمل القضايا المعروضة على المحكمة جرائم الاعتداء على الأشخاص والممتلكات، وقضايا المخدرات والمؤثرات العقلية، والجرائم الاقتصادية والمالية، والمخالفات المرتبطة بالسير وحوادث المرور، إلى جانب قضايا أخرى ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين.
أرقام تعكس حجم الضغط
تعكس حصيلة سنة 2025 حجم النشاط القضائي الكبير الذي تواجهه المحكمة، حيث تجاوز عدد الملفات التي تم البت فيها عدد القضايا الجديدة المسجلة خلال السنة. ويعود ذلك، وفق المعطيات المقدمة، إلى التخطيط المسبق، والتتبع المستمر للمؤشرات، والتوزيع المتوازن للملفات، فضلاً عن المراقبة الدورية للقضايا القديمة وتحسين أداء كتابة الضبط وتطوير آليات التبليغ.
كما تقوم المحكمة بتنسيق مستمر مع النيابة العامة والشرطة القضائية وإدارة السجون وإعادة الإدماج وباقي المتدخلين في منظومة العدالة، بهدف تسريع معالجة الملفات وتفادي تحول القضايا القديمة إلى تراكم مزمن.
غير أن حجم الملفات المحسومة، رغم أهميته، لا يشكل وحده معياراً لجودة العدالة. فهذه الأخيرة تقاس أيضاً بمدى احترام حقوق الدفاع، وقرينة البراءة، وحقوق الضحايا، واستقلالية القرار القضائي، وجودة الأحكام وتعليلها.
إصلاح العدالة يتجاوز رقمنة المساطر
وتندرج هذه الدينامية في سياق إصلاح شامل للعدالة بالمغرب، يقوم على توجيهات ملكية جعلت من تحديث القضاء وتعزيز ثقة المواطن في المؤسسات وضمان الأمن القانوني والقضائي أهدافاً مركزية.
كما كرّس دستور 2011 استقلال السلطة القضائية، وجعل حماية الحقوق والحريات وضمانات المحاكمة العادلة من ركائز النظام القضائي.
ولا تقتصر عملية التحديث على رقمنة الإجراءات، بل تشمل كذلك تحسين الإدارة القضائية، وتطوير جودة الأحكام، وتتبع الملفات والآجال، وتكوين القضاة، وتعزيز التنسيق بين مختلف مكونات منظومة العدالة.
الاعتقال الاحتياطي.. إجراء استثنائي تحت المراقبة
يحظى الاعتقال الاحتياطي بدوره بتتبع خاص، باعتباره إجراءً ينبغي أن يظل استثنائياً، ولا يُلجأ إليه إلا في الحالات التي تتوفر فيها الشروط القانونية.
وتتم هذه العملية من خلال تنسيق مستمر بين رئاسة النيابة العامة والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، فضلاً عن الاجتماعات الدورية للجنة المحلية المكلفة بتتبع وضعية الاعتقال الاحتياطي.
ويظل التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين ضرورة حماية المجتمع وضمان حسن سير العدالة، وبين احترام الحرية الفردية وقرينة البراءة.
الآجال المعقولة.. معادلة بين السرعة والإنصاف
لا تتعارض سرعة البت في القضايا، من حيث المبدأ، مع العدالة، غير أن السرعة المفرطة قد تضر بحقوق المتقاضين، كما أن التأخير غير المبرر قد يفقد الحكم جزءاً من فعاليته.
لذلك، فإن العدالة الناجعة لا تعني إصدار أكبر عدد ممكن من الأحكام، بل إصدار قرارات قانونية ومعللة وعادلة في الوقت المناسب، مع ضمان ممارسة الدفاع لحقوقه كاملة، وحماية حقوق الضحايا واحترام قرينة البراءة.
العقوبات البديلة.. فلسفة جديدة للسياسة الجنائية
وفي حوار موازٍ، أكد حسن جابر، رئيس المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع، أن اعتماد العقوبات البديلة يمثل إحدى أهم التحولات في السياسة الجنائية المغربية.
وأوضح أن هذه المقاربة تعكس انتقالاً من فلسفة تركز أساساً على العقاب إلى تصور أوسع يهدف إلى حماية المجتمع، وإصلاح سلوك مرتكب الجريمة، والحد من العود، خصوصاً في بعض الجرائم الأقل خطورة التي قد لا يكون فيها سلب الحرية دائماً الخيار الأكثر فعالية.
وأكد أن العقوبات البديلة لا تعني التهاون مع الجريمة أو التراجع عن سلطة القانون، بل تمنح القاضي إمكانية اختيار العقوبة الأكثر ملاءمة لشخصية المدان، وظروف ارتكاب الجريمة وخطورتها، مع مراعاة حقوق الضحية والنظام العام.
غير أن نجاح هذه المنظومة، يضيف المسؤول القضائي، يتطلب تعاوناً بين القضاء والنيابة العامة وإدارة السجون والسلطات العمومية والجماعات الترابية وباقي المؤسسات المكلفة بتنفيذ وتتبع هذه العقوبات.
وبحسب التصور الجديد، فإن نجاح العدالة لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يتم إيداعهم السجن، بل بقدرتها على حماية المجتمع، وتصحيح السلوك الإجرامي، والحد من تكرار الجريمة.
الضحية والعدالة التصالحية
لم تعد العدالة الجنائية الحديثة تقوم فقط على الردع والعقاب، بل تسعى أيضاً إلى جبر الضرر الذي لحق بالضحية، وحماية المجتمع، ومساعدة المحكوم عليه على الاندماج من جديد.
ومن هنا تبرز أهمية تفريد العقوبة، والوساطة والصلح، والعدالة التصالحية كلما سمح الإطار القانوني بذلك.
وتقوم هذه المقاربة على البحث عن الحل الأكثر فعالية واستدامة، من دون أن يعني اعتماد البعد الإنساني التساهل مع الجرائم الخطيرة أو الجريمة المنظمة.
قضاء الأحداث.. الحرمان من الحرية آخر الحلول
تحظى قضايا الأطفال في نزاع مع القانون بمعاملة خاصة، إذ لا يكون الهدف الأساسي هو العقاب، بل حماية الطفل وتقويم سلوكه ومساعدته على العودة إلى مساره الطبيعي.
ويأخذ القاضي بعين الاعتبار سن الطفل ووضعه الأسري ومستواه الدراسي والعوامل الاجتماعية المرتبطة بالسلوك المرتكب، مع إشراك المساعدين الاجتماعيين ومؤسسات حماية الطفولة والجهات المتخصصة.
ويظل مبدأ أساسياً أن الحرمان من الحرية يجب أن يكون آخر الحلول وليس أولها، انسجاماً مع التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.
غير أن نجاح هذا التوجه لا يعتمد على القضاء وحده، بل يحتاج إلى تعاون الأسرة والمدرسة والمصالح الاجتماعية والجماعات الترابية والمجتمع المدني، خاصة في مرحلة التتبع والمواكبة بعد صدور الأحكام.
الجريمة الرقمية.. تحد جديد أمام القضاء
أفرز التحول الرقمي أشكالاً جديدة من الجرائم، من بينها الاحتيال الإلكتروني، والابتزاز الرقمي، وانتهاك الخصوصية، وانتحال الهوية، والاعتداء على المعطيات الشخصية، فضلاً عن الجرائم المرتكبة عبر المنصات الإلكترونية.
وأصبح القاضي مطالباً بفهم طبيعة الأدلة الرقمية وطرق جمعها وتقييمها، وهو ما يفرض تكويناً مستمراً في مجال الجريمة الإلكترونية والإثبات الرقمي والتطورات التشريعية.
كما أن رقمنة المساطر القضائية يمكن أن تساهم في تسريع معالجة الملفات وتعزيز الشفافية، شريطة احترام حماية المعطيات الشخصية والخصوصية.
العدالة أمام تحديات جديدة
وتكشف تجربة المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع أن العدالة الجنائية المغربية تواجه اليوم تحديات متعددة، تبدأ من ضغط الملفات وتراكم القضايا، ولا تنتهي عند العقوبات البديلة وقضاء الأحداث والجريمة الرقمية.
وبينما تظل النجاعة والسرعة مطلبين أساسيين، فإن التحدي الأكبر يتمثل في الحفاظ على جوهر العدالة: المساواة أمام القانون، واحترام حقوق الدفاع، وحماية الضحايا، واستقلالية القضاء، وجودة الأحكام.
فالعدالة الناجعة ليست تلك التي تحسم أكبر عدد من الملفات فحسب، وإنما تلك التي تنجح في تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وضمان حقوق الأفراد، وبين الحزم في مواجهة الجريمة والبحث عن حلول أكثر إنسانية وفعالية واستدامة.
