الجريدة العربية – محمد حميمداني
قام “الجنرال داغفين أندرسون”، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا، (أفريكوم AFRICOM)، خلال الأيام الأخيرة، بزيارة عسكرية رفيعة المستوى، للرباط. أبرزت عمق علاقات التعاون العسكري القائمة بين “المغرب” و”الولايات المتحدة”، والتزام البلدين المشترك بدعم الأمن والاستقرار في القارة الإفريقية. مؤكدة مكانة المملكة المغربية كفاعل مركزي في الأمن الإقليمي والقاري.
وقد حظي المسؤول الأمريكي باستقبال من طرف الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، “عبد اللطيف لوديي”، بتوجيهات ملكية سامية. في خطوة تحمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة حول تعزيز التحالف الاستراتيجي بين البلدين في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في إفريقيا.
تفاصيل الزيارة وأبعادها العسكرية
تناول اللقاء الذي جمع “أندرسون” ب”لوديي” حصيلة التعاون العسكري المشترك. فضلا عن تفعيل بنود خارطة الطريق للتعاون الدفاعي 2020–2030، والتي تم توقيعها قبل خمس سنوات. التي تمثل الإطار القانوني الهيكلي للشراكة الدفاعية المغربية-الأمريكية.
تجدر الإشارة إلى أن هاته الخطة تتضمن تطوير القدرات الدفاعية المغربية وتعزيز الصناعات العسكرية. إضافة لتنظيم تداريب مشتركة واسعة، على رأسها مناورات “الأسد الإفريقي” التي تعتبر أكبر تمرين عسكري متعدد الجنسيات في القارة الإفريقية.
كما أجرى الوفد العسكري الأمريكي محادثات مع “الفريق أول محمد بريظ”، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية. حيث استعرض الجانبان مختلف جوانب التعاون الثنائي في المجال العسكري. مع التركيز على تحديث وتعزيز جاهزية وقدرات القوات المسلحة الملكية العملياتية، وتكثيف برامج التداريب المشتركة. إلى جانب تبادل وجهات النظر حول قضايا ذات صلة بالأمن الإقليمي في الساحل والصحراء وسبل تعزيز الأمن والاستقرار في أفريقيا ومواجهة التهديدات الإرهابية والتوثرات البحرية العالمية.
خلال الزيارة قام الوفد العسكري الامريكي بزيارة لقاعدة “بن جرير” الجوية التي تعتبر إحدى المنشآت العسكرية الاستراتيجية بالمغرب. حيث تفقد الوفد القاعدة، في خطوة تبرز الاهتمام المشترك بتعزيز القدرات الدفاعية والتعاون التقني والصناعات الدفاعية المشتركة.
شراكة استراتيجية
على هامش الزيارة، أكد قائد “أفريكوم” أن “المغرب يبقى أحد أقرب وأوثق الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة في إفريقيا”، معتبرا إياه من بين الحلفاء والشركاء الاستراتيجيين الموثوقين بالنسبة ل”واشنطن” في القارة الإفريقية.
مذكرا بأن المملكة المغربية كانت من بين أوائل الدول التي اعترفت باستقلال “الولايات المتحدة الأمريكية” عام 1777.
وأوضح أن العلاقات العسكرية المغربية الأمريكية نمت “بشكل كبير ولافت” خلال العقدين الاخيرين، ليس على مستوى التجهيز والتدريب فقط. بل أيضا على مستوى العمل متعدد الاطراف مع دول أفريقية أخرى. واصفا المغرب بأنه “نموذج أمني قابل للتصدير، وقطب استقرار في شمال أفريقيا”.
وقد اعتبر الجنرال الأمريكي أن الموقع الجغرافي للمغرب، واستقراره السياسي، وتزايد قدراته الدفاعية. يجعل منه شريكا حيويا في حماية طرق التجارة البحرية العالمية، خصوصا في ظل تصاعد التنافس الدولي على الممرات البحرية الحيوية. مفيدا بأن “مناورات الأسد الإفريقي” التي يتم إجراؤها بمشاركة القوات المسلحة الملكية المغربية. التي استمرت لمدة تفوق عشرين عاما، هي أكبر مناورة عسكرية في القارة الإفريقية.
ووصف المسؤول العسكري الأمريكي المغرب بأنه “نموذج أمني وعسكري يحتذى به على صعيد المنطقة”. مبرزا أن المملكة “تساهم في تدريب قوات من دول إفريقية أخرى في إطار التعاون الإقليمي”.
وأعرب عن تقديره لدور المغرب في المبادرات متعددة الأطراف، مؤكدا أن “الرباط تلعب دورا مركزيا بفضل موقعها الجغرافي واستقرارها السياسي وتطورها العسكري النسبي”. وهو ما يجعلها “شريكا إستراتيجيا موثوقا في مجال تأمين طرق التجارة البحرية العالمية”. وهو ما ينعكس إيجابا على الأمن الإقليمي والعالمي على حد سواء.
رهانات كبرى في سياق عالمي متسم بالتوثر
تأتي هاته الزيارة في وقت تواجه فيه المنطقة عددا من التحديات الأمنية. أبرزها توسع الجماعات المسلحة في منطقة الساحل وارتفاع مستوى التهديدات الإرهابية العابرة للحدود. فضلا عن المنافسة الدولية المتزايدة في المجال العسكري بإفريقيا، وتحديدا الحضور الروسي والصيني في القارة السمراء. إضافة لما تشهده منطقتي البحر الأحمر وغرب المتوسط من أجواء متوثرة.
وتكتسب الزيارة أهميتها من تزامنها مع نقاشات دولية مؤسساتية. ضمنها مؤتمر قادة البحريات في الشرق الأوسط حول تهديدات الملاحة البحرية. الذي تداول في سبل مواجهة التحديات التي تهدد الممرات البحرية إضافة لتعزيز الأمن البحري الذي يعد ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي. فضلا عن الخلاصات التي خرجت بها “قمة آسيان” التي دعت إلى تجنب صراعات النفوذ وتعزيز الأمن الإقليمي والسيبراني من خلال تكثيف المناورات والتداريب المشتركة.
قراءة في خلفيات الزيارة
يرى محللون أن هاته الزيارة تؤكد تحول المغرب من شريك عسكري تقني فقط إلى فاعل أمني استراتيجي معتمد عليه في إفريقيا والبحر المتوسط.
تحليلات تستند على معطيات ميدانية ضمنها تحديث المنظومة الدفاعية المغربية، خلال السنوات الأخيرة. فضلا عن توسع التعاون الأمني والاستخباراتي مع “الولايات المتحدة” و”حلف الناتو” ومشاركة المغرب في حفظ السلام والتدريب الإقليمي. إضافة لارتباط العلاقات الدفاعية القائمة بين البلدين بإطار قانوني مستقر وواضح (2020-2030).
كما يرى مراقبون أن هاته الزيارة رسالة استراتيجية متعددة الأبعاد. فهي تحمل دعما أمريكيا واضحا ومستمرا لحليف موثوق به، واعتراف أمريكي صريح بدور “المغرب” في أمن إفريقيا. إضافة لكونها تفعيل عملي لبرنامج دفاعي طويل الأمد وتأكيد على أن “الرباط” أصبحت مركزا إقليميا في هندسة موازين القوة بالقارة السمراء. ففي عالم تتغير فيه الخرائط الأمنية، يبدو أن “الرباط” و”واشنطن” تتحركان وفق قاعدة بسيطة مفادها أن “الشراكات القوية لا يتم بناؤها على المصالح الآنية، بل على رؤية مستقبلية مشتركة”.
