زلزال مالي في الصفقات العمومية بالمغرب

الجريدة العربية – محمد حميمداني

 

فتحت “المفتشية العامة للمالية” تحقيقا واسعا في شبهات حصول تلاعبات في صفقات عمومية، تجاوزت 110 ملايين درهم. أبرمتها مؤسسات ومقاولات عمومية عبر سندات طلب مثيرة للشك. والتي شملت مؤسسات بمدن “الرباط” و”الدار البيضاء”.

ووفق المعطيات الأولية الواردة فإن الأمر يتعلق بشبكة ممنهجة من التلاعبات. استغل مسؤولون نافذون ثغرات قانونية موجودة لتفويت صفقات لشركات محددة، عبر تشطير النفقات لتفادي السقف القانوني المسموح به.

وأفادت ذات المعطيات أن بعض المنافسات المسجلة كانت صورية، دون استشارات حقيقية أو توثيق للعروض. في خرق واضح لمرسوم الصفقات العمومية لعام 2013.

وفي هذا الشأن يرى خبراء أن هاته الممارسات تقوض الثقة في المؤسسات، وتحرم بالتالي خزينة الدولة من موارد كبيرة. مؤكدين أن الحل يكمن في رقمنة مساطر الصفقات وإخضاعها للشفافية الكاملة. وذلك ضمانا لتكافؤ الفرص ومكافحة الريع المالي.

وقائع تحمل مؤشرا لخلل هيكلي قائم في تدبير المال العام. وهو ما يستدعي محاسبة صارمة وإصلاحا جذريا للمنظومة القانونية بما يمكن من إعادة الانضباط لمنظومة الصفقات العمومية.

استباحة المال العام

التقارير الواردة تؤكد خطورة الوقائع المرصودة بما تحمله من آثار سلبية على الاقتصاد الوطني. وأيضا إضعاف مؤشر المغرب فيما يتصل بالشفافية والنزاهة. وهي واحدة من أكبر فضائح التلاعب بالمال العام، حيث تجاوز حجم الصفقات المشبوهة 110 ملايين درهم. وهو ما يمثل قمة جبل جليد في منظومة تشوبها ثغرات هيكلية تتيح استنزاف المال العام بشكل منهجي.

فالوقائع المقدمة وعلى الرغم من عدم إيراد أسماء الشركات والمؤسسات الضالعة في الفعل. إلا أن الأفعال تنقل معطيات خطيرة ذات صلة بتشطير الصفقات، أي تقسيم الصفقات الكبرى إلى صفقات صغيرة لتجنب السقف القانوني الذي يستدعي منافسة أوسع ورقابة أشد. فضلا عما اسماه التقرير ب”المنافسات الصورية”، أي إجراء منافسات وهمية دون سند قانوني. واستعمال سندات طلب مثيرة للشك، أي استخدام وثائق غير قانونية لتبرير توجيه الصفقات لشركات محددة. في مخالفة ل”مرسوم الصفقات العمومية” لعام 2013، المعدل عام 2018. و”القانون رقم 69-00″، المتعلق بمراقبة المسؤولين عن تدبير المال العام. إضافة “للقانون رقم 13-130″، المتعلق بالشفافية.

تداعيات القنبلة على الاقتصاد الوطني

أدت الفضائح المسجلة إلى تحقيق خسائر مباشرة تصل ل110 مليون درهم، تمثل الصفقات المكتشفة فقط. فيما قد يكون الحجم الحقيقي أكبر. إضافة للتكاليف غير مباشرة، ضمنها تشويه مناخ الأعمال وإضعاف ثقة المستثمرين. فضلا عن تكريس اقتصاد الريع على حساب الكفاءة والجودة وإهدار موارد كان من الممكن توجيهها لمشاريع تنموية حقيقية.

كما عكست الواقعة أبعادا هيكلية، أبرزت ضعف الرقابة الداخلية داخل المؤسسات العمومية. إضافة لتقادم بعض مقتضيات مرسوم الصفقات أمام أساليب التلاعب الحديثة. فضلا عن ضعف العقوبات الرادعة للمتورطين في مثل هذه العمليات.

وكان جلالة الملك “محمد السادس”، نصره الله. قد اعتبر أن “محاربة الفساد مسؤولية جماعية، وهي شرط أساسي لتحقيق التنمية المنشودة”. فالشفافية في الصفقات العمومية ضمانة حقيقية لتكريس المنافسة الشريفة. كما أن اقتصاد الريع يقتل روح المبادرة ويعطي صورة غير صحية عن الاستثمار في المغرب.

Exit mobile version