المغرب يدخل عصر السيادة الصناعية بثبات ووضوح

الجريدة العربية

يشهد المغرب تحولاً صناعياً عميقاً بات يشكل أحد أبرز مساراته الاستراتيجية خلال العقدين الأخيرين، وهو تحول لم يُبنَ على الارتجال ولا على تقلبات السوق، بل على رؤية دولة واضحة جعلت من الصناعة ركناً أساسياً في مشروعها التنموي. وقد جاء خطاب وزير الصناعة والتجارة رياض مزوّر في مؤتمر اليونيدو بالرياض ليؤكد هذا المسار، ويضعه في سياقه الإقليمي والدولي، في لحظة يشهد فيها العالم إعادة ترتيب لمراكز الإنتاج وتحوّلاً في موازين القوة الاقتصادية.

الانتقال من مرحلة الإقلاع الصناعي إلى مرحلة السيادة الصناعية يمثل جوهر هذا التحول المغربي. فالدولة لم تعد تتعامل مع الصناعة باعتبارها مجرد قطاع اقتصادي من بين قطاعات أخرى، بل باعتبارها أداة لبناء استقلال اقتصادي ومكانة دولية في عالم تُعاد فيه صياغة سلاسل التوريد وتحديد من يملك القدرة على الإنتاج ومن يظل معتمداً على الخارج. وقد انعكس هذا الخيار الاستراتيجي في توسّع ملحوظ للقدرات التصنيعية الوطنية وارتفاع في مستوى الاندماج المحلي، خاصة في قطاعات ذات تنافسية عالمية مثل السيارات والطيران.

الأرقام المسجلة في العقد الأخير تعطي بُعداً ملموساً لهذا التحول؛ فقد تضاعفت القدرة الإنتاجية والصادرات الصناعية بشكل لافت، وارتفع عدد مناصب الشغل الصناعية إلى أكثر من مليون وظيفة. كما وصلت نسبة الاندماج الوطني في قطاع السيارات إلى مستويات لا تحققها إلا الدول الصناعية الصاعدة، في وقت يواصل فيه المغرب تطوير منظومات صناعية متقدمة، كان آخرها مركّب تصنيع محركات الطائرات الذي يضع المملكة ضمن نطاق ضيق من الدول القادرة على هذا النوع من التصنيع عالي التقنية. وقد رافق هذا التوسع ارتفاعٌ في حجم العقار الصناعي المهيأ وتزايد عدد المناطق الصناعية الموجهة لجذب الاستثمارات وبناء نسيج إنتاجي متكامل.

هذا التحول يعكس انتقال المغرب من اقتصاد يعتمد في جزء كبير منه على استغلال الموارد التقليدية إلى اقتصاد يرتكز على الابتكار والتكنولوجيا وسلاسل القيمة المتقدمة. فالبنية التحتية اللوجستية التي تم تطويرها خلال السنوات الماضية، من موانئ كبرى إلى مناطق حرة ومنصات صناعية مهيكلة، أصبحت جزءاً من منظومة متكاملة تمنح المغرب قدرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي من موقع المنتج وليس المستهلك.

وقد لعبت الشراكة مع منظمة اليونيدو دوراً مهماً في دعم هذا المسار، خصوصاً من خلال برنامج الشراكة مع الدول، الذي دعم تحديث المناطق الصناعية وتعزيز الكفاءة الطاقية والتحضير للانتقال نحو الصناعة 4.0. وتمديد البرنامج إلى 2027 يشير إلى ثقة مؤسساتية دولية في قدرة المغرب على تحقيق أهدافه الصناعية ومواصلة البناء على هذا المسار المتقدم.

أما البعد الإفريقي في هذا المشروع، فهو ليس امتداداً تجارياً عادياً، بل خيار استراتيجي ينسجم مع رؤية ملكية تعتبر إفريقيا مجالاً طبيعياً للارتباط الاقتصادي وبناء شراكات طويلة المدى. فتعزيز الحضور الصناعي المغربي في القارة ينسجم مع أدوار دبلوماسية واقتصادية متنامية للمملكة، ومع موقعها كحلقة وصل بين شمال القارة وغربها.

في ظل التحولات العالمية الحالية، يصبح المغرب حالة عربية لافتة؛ دولة تعلن انتقالها من مرحلة التصنيع إلى مرحلة السيادة الصناعية، وتطرح نموذجاً يقوم على الإنتاج والابتكار والتنافسية، لا على الاستهلاك والارتهان للخارج. وفي هذا السياق، يتأكد أن ما يجري اليوم ليس مجرد إنجازات قطاعية متفرقة، بل تحول استراتيجي يعيد تحديد موقع المغرب في الخريطة الاقتصادية الدولية، ويمنحه مكانة مختلفة في المستقبل الصناعي للعالم.

 

Exit mobile version