الجريدة العربية
يدخل المغرب اليوم مرحلة جديدة من مقاربة نزاع الصحراء المغربية، تتجاوز الخطاب السياسي إلى تنزيلٍ عملي لما يمكن تسميته بـ”الهندسة التقنية للحكم الذاتي”، وهي المرحلة التي تترجم على أرض الواقع ما جاء في المبادرة المغربية التي وُصفت أمميًا ودوليًا بأنها الحل الواقعي والوحيد لإنهاء هذا النزاع الإقليمي المفتعل.
المملكة، التي حازت مبادرتها زخماً دبلوماسياً متزايداً منذ سنة 2020، باتت تشتغل الآن على تفعيل البنيات المؤسساتية للحكم الذاتي، في إطار تصور شامل يقوم على ثلاثة مستويات مترابطة، وهي ترسيخ الشرعية القانونية، وتثبيت الصلاحيات المؤسساتية، وتكريس التنمية المتوازنة بالأقاليم الجنوبية.
فعلى المستوى الأول، تعمل السلطات المغربية على بلورة إطار قانوني دقيق يحدد الاختصاصات التنفيذية والتشريعية والقضائية للجهة المعنية بالحكم الذاتي، ضمن السيادة الكاملة للمملكة ووحدة ترابها الوطني. هذا الإطار المنتظر سيوفر بنية مؤسساتية متكاملة تشمل مجلسًا جهويًا منتخبًا، وهيئات تنفيذية محلية مسؤولة أمام القانون الوطني، مع إمكانية إحداث محكمة جهوية عليا تعنى بتطبيق التشريعات المحلية تحت إشراف القضاء المغربي.
أما المستوى الثاني فيتعلق بالشق المؤسساتي والسياسي، حيث يسعى المغرب إلى إرساء نموذج ديمقراطي جهوي متقدم يُمكّن الساكنة المحلية من إدارة شؤونها بحرية ومسؤولية، وفق مقاربة تشاركية تضمن العدالة المجالية والتمثيلية الواسعة. ويُنتظر أن تشكل هذه التجربة نموذجًا مؤسساتيًا رائدًا في المنطقة، يزاوج بين الخصوصية المحلية والانتماء الوطني.
وفي ما يخص المستوى الثالث، فإن الشق التنموي يظل محورًا جوهريًا في هذه المرحلة التقنية. فالنموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية، الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس أيده الله بنصره، يشكّل الركيزة الاقتصادية للحكم الذاتي، عبر مشاريع استراتيجية في مجالات الطاقة، والاقتصاد الأزرق، والبنية التحتية، والربط اللوجستي بين العيون والداخلة وباقي مدن المملكة.
وتأتي هذه الدينامية في وقت تتعزز فيه المواقف الدولية الداعمة للمبادرة المغربية، إذ عبّرت عدة دول كبرى، من الولايات المتحدة إلى إسبانيا وألمانيا، عن دعمها الصريح للحكم الذاتي كحلّ عادل ودائم. هذا الدعم، مقرونًا باستقرار سياسي ومؤسساتي راسخ داخل المملكة، يجعل المغرب في موقع قوة لتدشين مرحلة “التنزيل السيادي” للمبادرة على أرض الواقع.
بهذا، تكون الرباط قد انتقلت من مرحلة الاعتراف الدبلوماسي إلى مرحلة التفعيل الميداني، في مسار يؤكد نضج التجربة المغربية في إدارة ملف استراتيجي ظل لعقود ورقة صراع إقليمي. واليوم، يترسخ من جديد منطق الدولة المغربية الحديثة: دولة تستثمر في القانون والمؤسسات والتنمية، وتحوّل الإجماع الوطني حول قضية الصحراء المغربية إلى مشروع حكم ذاتي متكامل، يرسي أسس وحدة وطنية قوية تحت راية الملك والوطن.
