الأسطورة ياسين بونو… حين يصير الحارس معجزة وطنية يتجاوز اسمه حدود الخيال

الجريدة العربية

في زمن كثُر فيه الادعاء وقلّ فيه العطاء، يظهر ياسين بونو كأيقونة لا تتكرر، كاسم من نور في سجلات المجد الكروي المغربي و العالمي ، وكأحد أولئك القلائل الذين لم يكتفوا بأن يكونوا حراسًا للمرمى، بل تاريخا يكتب و حالات تدرس . وإذا كان الحارس السوفياتي ليف ياشين قد خُلّد كأول وأعظم من وقف بين الخشبات الثلاث، فإن في هذا الزمان اسمًا مغربيًا بات ينافس ظلال الأساطير ، إنه ياسين بونو، الرجل الذي تجاوز حراسة المرمى ليُصبح ظاهرة، بل رمزًا، وأيقونة عربية وإفريقية خالدة.

فبأي قاموسٍ يمكن وصف هذا العملاق؟ أتُقاس صداته بالثواني أم بالدهشة؟ هل توزن إنقاذاته بالكيلوغرامات، أم تُقاس بعلو النبضات الوطنية في قلوب ملايين المغاربة والعرب؟
الجواب أن بونو لا يُقارن إلا بالندرة، وأن مكانه محفوظ بين القمم، لا بين الهواة.

ياسين بونو ليس مجرد لاعب كرة قدم، ولا مجرد “رقم 1” بين الخشبات الثلاث. هو مرآة لجيل كامل، اختار أن يكتب فصله في الرواية العالمية من أعلى المراتب، وبأكثر الطرق صعوبة. حارسٌ تربى في الأزقة الهادئة، لكنه وقف أمام عمالقة أوروبا والعالم بثبات يُثير الذهول. من محطات البطولة الإسبانية، حيث رفع راية المغرب في الليغا، إلى ملاعب المونديال، حيث دوّى اسمه من الدوحة إلى مدن العالم الكبرى، وصولًا إلى لقب زامورا، ومنصات “الليغا” و”اليوروبا ليغ”، ومصاف الجوائز الفردية التي لا يصلها إلا الكبار، هناك وقف بونو، وحده، يلوّح بيديه لا لصدّ الكرة فحسب، بل لتصفع الشك، وتطرد التقليل.

ما الذي يجعل من بونو أسطورة؟ هل هي صدة القرن أمام مانشستر سيتي، حين مدّ جسده كمن يمارس طقسًا مقدسًا، ليمنع هدفًا محققًا، ويمنح الهلال انتصارًا تاريخيًا؟ أم هي تلك الركلات الترجيحية التي أطفأها واحدة تلو الأخرى في وجه إسبانيا والبرتغال، حتى سُمع صوت الجماهير يهتف باسمه في كل ركن من الوطن؟ هل هي لقطاته الخارقة في كأس العالم، أم تاريخه الطويل في الملاعب الأوروبية، أم طباعه الهادئة، البعيدة عن الصخب، القريبة من الرجولة والاحتراف؟ أم هي كلّ ذلك معًا؟

من المؤسف أن يقارن بعضهم بونو بأسماء لم تبلغ بعد مستوى ظلّه. أن يوضع اسمه في نفس الميزان مع الشناوي أو الحضري، ليس فقط خطأً، بل جريمة في حق كرة القدم، وفي حق التاريخ والحقائق. بونو لا يُقارن إلا بالأعظم، لا يُذكر إلا مع كورتوا، أوبلاك، نوير، وبوفون، لا يُستدعى اسمه إلا في مصاف زوف، ياشين، وداساييف. أما في الساحة العربية والإفريقية، فمجرد نطق اسمه يجعل بقية الحراس يخفضون البصر إجلالًا، لأن الفارق ليس فقط تقنيًا، بل هو مسافة بين المجرات .

حتى خيال رسام سلسلة “الكابتن ماجد” لم يتخيل لقطة بونو. فعندما انتشر مقطع صدّته الخرافية، شبّهها البعض بالحارس “رعد” في اللقطات الكرتونية التي لا تحدث إلا في أوهام الكمبيوتر الياباني. ذلك وحده دليل أن بونو بلغ مرحلةً من التفوق لا تُفسّر. صار اسمه يُقارن بما هو غير واقعي، لأنه بكل بساطة خرج من حدود المعقول.

أما الحضري، الذي ظهر على شاشة التلفاز يُحاول التودد لبونو عبر مكالمة “سكرينشوتية”، فقد نسي – أو تناسى – أن مسيرته توقفت على أبواب أوروبا، ولم تتجاوز فريق سيون المغمور في الدوري السويسري الردئ ، وأن ألقابه حُصرت في بطولات إقليمية، وأنه لم يشارك يومًا في سباق “ذا بيست The Best ” لإختيار أحسن حارس على وجه الكوكب ، ولم يدخل قائمة “البالون دور Le Ballon D’or” ، ولا طمع في جعئزة زامورا كأحسن حارس في الليغا الإسبانية ، ولا صدّ ركلات الترجيح في مونديال قطر و مونديال الأندية ، ولم يواجه أساطير العالم مثل رونالدو وميسي وفينيسيوس ودي بروين في أشرس المحافل. فهل يقارن الطمي بالحجر الكريم؟

ثم يُقال: بين بونو والشناوي من هو الأفضل في إفريقيا؟ من العيب حتى مقارنة الشناوي ببديل بونو، منير المحمدي، الذي يُقدم أداءً يفوق الوصف. فكيف نقفز من الرقي إلى المتوسط، من المجد إلى الاعتياد، من العالمية إلى المحلّية؟ وهل يُعقل أن يساوى من حفر اسمه في أعرق الملاعب الأوروبية، بمن لم يُغادر حدود القارة؟

في زمن صارت فيه الصحافة تصنع الأوهام، وتبيع المجد لمن لا يستحقه، يبقى اسم ياسين بونو شامخًا كجبل أطلسي، عصيِِ على النسيان، منيع على التزييف. إنه عنوان لفصل مشرق في تاريخ الرياضة المغربية، وامتداد لمدرسة الزاكي، لكنه تخطاها ليكتب أسطورته بلغة العصر الحديث.

لا شيء يُعطي اللاعب أكثر من أن يصبح رمزًا، لا لحراسة المرمى فقط، بل للثقة، للاتزان، للفخر الوطني. ولهذا، فإن ياسين بونو ليس حارسًا فقط، بل حالة وطنية قائمة بذاتها. هو روح نادرة بين الخشبات، وعقل عبقري خلف القفازات، وابتسامة مغربية نابعة من صميم الرجولة.

وفي هذا الزمن، وبهذه الصيغة، وبهذا العطاء… بونو لا يُقارن. بونو يُخلّد. بونو هو فخر المغرب، وأسطورته التي لن تتكرر.

Exit mobile version