الجريدة العربية
في مشهد تتصدر فيه أفريقيا موقع الريادة في تأييد الحق الفلسطيني، تظل إريتريا، إلى جانب الكاميرون، استثناءً صاخبًا في صمت غير مفهوم. فمن بين كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، حيث اختار الباقي الاعتراف بدولة فلسطين، بقيت أسمرة متمسكة بموقفها الرافض، في خطوة تعكس تداخلاً معقدًا بين الجغرافيا الأمنية، والعقيدة السياسية، وأجندات التعاون السري.
منذ استقلالها عام 1993، بنت إريتريا تحت قيادة الرئيس أسياس أفورقي علاقة براغماتية مع إسرائيل، تمثلت في تنسيق أمني وعسكري بالغ الحساسية. فقد كشفت تقارير استخباراتية عن وجود فرق بحرية إسرائيلية في أرخبيل “داهلاك” وقاعدة تنصّت على جبل “إمبا سُورا”، تطل على مضيق باب المندب، بهدف مراقبة حركة الملاحة وتحركات إيران في البحر الأحمر.
وحتى بعد إغلاق السفارة الإسرائيلية في أسمرة رسميًا عام 2022 بسبب خلاف بروتوكولي، لم تتوقف العلاقات بين الطرفين، بل استمرت في شكل تعاون غير معلن، خاصة في المجال العسكري.
هذا الحضور الإسرائيلي السري يوفر لإريتريا، حسب رؤية أفورقي، شبكة أمان إقليمية ضد خصوم محتملين كإثيوبيا والسودان، كما يمنحها ورقة مساومة في المفاوضات مع واشنطن وبروكسيل بخصوص العقوبات أو ملفات حقوق الإنسان.
لكن الموقف الإريتري لا يرتكز فقط على التحالفات الأمنية، بل يعكس عقيدة سياسية قائمة على “الرفض الكامل للاصطفاف الدولي”. إذ يرى النظام الإريتري أن الاعتراف بفلسطين والقبول بخيار الدولتين ما هو إلا “خدعة دولية” تهدف إلى تمييع السيادة الوطنية. وهذه الرؤية، التي لا تقبل الجدل ولا الحوار، تتغذى من نظام سياسي منغلق لم يشهد انتخابات تعددية منذ ثلاثة عقود، ويُخضع الصحافة والمعارضة لحصار كامل، مع فرض الخدمة العسكرية الإلزامية مدى الحياة، ما يجعل أي ضغط داخلي لإعادة النظر في موقف الدولة من القضية الفلسطينية معدومًا بالكامل.
وفي الوقت الذي تزداد فيه عزلة إريتريا بسبب العقوبات الأممية التي فُرضت عليها سابقًا، ومع احتمال إعادة تفعيلها، تلجأ أسمرة إلى انتهاج سياسات مناهضة للإجماع الدولي كمؤشر على “استقلالها السيادي”، في تناقض صارخ مع روح التضامن الأفريقي.
وفي غياب أي إصلاح داخلي أو تحول إقليمي جذري يعيد رسم ملامح الأمن في منطقة البحر الأحمر، يبدو أن الموقف الإريتري سيبقى ثابتًا، ليشكل آخر ثغرة في جدار الدعم الأفريقي للقضية الفلسطينية. وإذا أضفنا الكاميرون، التي تشاطرها نفس الموقف، فإن خريطة الموقف الأفريقي تجاه فلسطين لا تزال بحاجة إلى استكمال أخير.. تأخذه القارة على محمل الجدية، وتأمل فيه شعوبها التزامًا تاريخيًا تجاه شعب لم تنتهِ معاناته.
