الجريدة العربية مكتب الرباط
الحلقة التاسعة عشر
في زمن عزّ فيه المناضلون الصادقون، وكثر فيه هواة الأضواء والكاميرات، شدّ أبوبيس الرحال خارج أرض الوطن ممثلاً لنقابة الميزانيين، وسط دهشة كثير من المتتبعين الذين ما زالوا يتساءلون: هل فعلاً عجزت النقابة عن العثور على من يمثلها من أصحاب التاريخ النضالي المشهود لهم بالكفاءة والمصداقية؟الطريف في الأمر أن الرجل الذي يقدم نفسه باعتباره وجهاً نقابياً بارزاً، يجد نفسه اليوم محاطاً بسيل من علامات الاستفهام بعد أن ابتعد عنه عدد من أقرب رفاقه السابقين، ممن كانوا بالأمس يدافعون عنه ويزكون خطواته، قبل أن يكتشفوا – بحسب ما يتداول داخل الأوساط النقابية – أن الصورة التي كانت تُقدَّم لهم تختلف كثيراً عن الواقع الذي وقفوا عليه لاحقاً.ويحكي بعض الغاضبين أن مفاجآت كثيرة ظهرت عندما اطلعوا على تشكيلات تنظيمية ومكاتب نقابية ظنوا أنهم جزء منها، قبل أن يكتشفوا أن أسماء حضرت وأخرى غابت بقدرة قادر، وكأن الأمر يتعلق بلعبة تركيب الصور لا بعمل نقابي يفترض أن يقوم على الشفافية والوضوح واحترام الإرادة الجماعية.
ولأن الرحلة إلى الخارج لم تكن كافية وحدها لإقناع المتابعين بأهمية الحدث، فقد بدا أن هناك حرصاً كبيراً على مواكبة السفر بحملة تواصلية مكثفة عبر بعض المنابر والصفحات المحلية، في محاولة لتقديم أبوبيس باعتباره وجهاً نقابياً يحظى بإجماع واسع. غير أن هذه الصورة المصقولة إعلامياً تصطدم، بحسب منتقديه، بواقع مختلف داخل التنظيم، حيث تتزايد التساؤلات حول حصيلته الفعلية وعلاقته بعدد من المناضلين الذين اختاروا الابتعاد عنه بعد أن كانوا من أقرب الداعمين له.
ويذهب بعض المتتبعين إلى أن الجهد المبذول في تحسين الصورة أصبح يفوق الجهد المبذول في معالجة أسباب الانتقادات نفسها، وكأن المشكلة تكمن في طريقة عرض الواقع لا في الواقع ذاته. لذلك لم يكن مستغرباً أن يتحول خبر السفر والتمثيل إلى مناسبة جديدة لإثارة النقاش حول معايير اختيار الممثلين النقابيين ومدى انسجام صورتهم الإعلامية مع ما يرويه المناضلون على الأرض.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من الذي منح أبوبيس هذه الحصانة الحديدية؟ ومن الذي يصر على تقديمه في الواجهة رغم كل الانتقادات التي تتردد هنا وهناك؟ وهل يعلم من وافق على تمثيله للنقابة خارج الوطن حجم الجدل الذي يرافق اسمه داخل محيطه التنظيمي؟الأكثر إثارة أن عدداً من المناضلين يتحدثون باستغراب عن الدفاع المستميت الذي يحظى به أبوبيس من طرف “كبير الميزانيين”، رغم أن أصواتاً عديدة لا تخفي تحفظاتها على أسلوبه وتعتبر أن حضوره أصبح عبئاً أكثر منه إضافة.
فهل يتعلق الأمر بقناعة تنظيمية راسخة؟ أم أن هناك اعتبارات أخرى تجعل الرجل يحظى بكل هذا الاحتضان رغم حجم الاعتراضات التي ترافقه؟إن المتابع البسيط قد يعجز عن فهم سر هذا التشبث. فكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالمحاسبة أو بالمراجعة، ازداد الدعم والاحتضان، وكأن الرجل يمتلك وصفة سحرية أو ملفات مُحرجة وضاغطة تجعله فوق النقد وفوق المساءلة.والأغرب من ذلك أن العديد من المناضلين الذين أفنوا سنوات طويلة في خدمة التنظيم لم يجدوا من ينصت إلى ملاحظاتهم أو يأخذ تحذيراتهم بعين الاعتبار، بينما تستمر أبواب الدعم مفتوحة أمام أبوبيس، رغم ما يثيره وجوده من جدل داخل الأوساط النقابية والحزبية المحلية.
وهو ما يدفع كثيرين إلى التساؤل: لماذا يتم تجاهل شهادات المناضلين وتجاربهم الميدانية كلما تعلق الأمر بهذا الاسم بالذات؟وفي انتظار أن يجد المناضلون أجوبة شافية عن هذه الأسئلة، سيظل أبوبيس محلقا في سماء الوصولية، بينما يبقى كثير من المناضلين الحقيقيين على الأرض يتساءلون: هل أصبحت الكفاءة والنزاهة والتاريخ النضالي شروطاً غير كافية للتمثيل، أم أن زمن المعايير قد ولى وحل محله زمن الأسرار التي لا يفهمها إلا أصحابها؟
وإلى أن تنكشف الحقيقة كاملة، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل النقابة في حاجة إلى مناضلين يحملون مبادئ المنظمة ويجسدون قيمها، أم إلى أشخاص يجيدون فقط الوصول إلى الواجهة مهما كانت الظروف؟ وهل يمكن لأي تنظيم أن يحافظ على مصداقيته إذا استمر في تجاهل أصوات قواعده ومناضليه الذين يطالبون بالمحاسبة والوضوح واحترام أخلاقيات العمل النقابي؟أسئلة قد تبدو محرجة للبعض، لكنها تظل أقل حرجاً من الصمت عنها.
