الجريدة العربية – محمد حميمداني
في محاولة للقضاء على الفساد المعشش بالمؤسسات العمومية، استحدثتت “ألبانيا” وزارة مكلفة بالذكاء الاصطناعي وعينت وزيرا على رأسها. في خطوة تهدف لتسخير القوة التحليلية للتقنيات الحديثة في معركتها في مواجهة الفساد الإداري والمالي.
تأتي هاته الخطوة ضمن خطة شاملة تنهجها “البانيا” لإصلاح القطاع العام وتخليقه وزيادة مستوى الشفافية في المرفق العام.
وتفيد السلطات الألبانية أن مهام الوزارة الجديدة تكمن في تطوير وتنفيذ أنظمة ذكاء اصطناعي لمراقبة عمل الحكومة والعمليات التي يقوم بإنجازها الوزراء. مع تحليل البيانات الضخمة (Big Data) للكشف عن أية تحركات مشبوهة ذات صلة بوجود فساد أو هدر للمال العام.
وأفاد بيان رسمي صادر في الموضوع، أن الوزير المكلف بهذا المنصب الفريد سيعمل على تحويل المعاملات والعمليات الحكومية إلى شكل رقمي بالكامل. وهو ما سيسهل تتبع ته المعاملات ويرفع بالتالي من كفاءتها ويحد من التدخل البشري المباشر. الذي في الغالب ما يكون بيئة خصبة للفساد.
وستمكن الخطوة عبر استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي من فحص البيانات المالية والمشتريات الحكومية وعقود الصفقات العمومية. كما ستكشف هاته الأنظمة التناقضات والإشارات الحمراء. مثل الأسعار غير التنافسية، الموردين المشبوهين أو العمليات التي لا تتطابق مع المعايير المحددة.
وفي سياق متصل، ستمكن هاته الآلية من إنشاء منصات إلكترونية تتيح للمواطنين الوصول للمعلومات الحكومية بشكل سهل وواضح. وهو ما سيخلق نوعا من الرقابة المجتمعية على عمل المؤسسات بما يدعم محاربة الفساد قبل حدوثه من خلال أنظمة الإنذار المبكر. بدل الاقتصار على الملاحقة القضائية بعد وقوع الجرم.
قرار لاقى تفاعلا كبيرا محليا ودوليا. حيث وصفه مؤيدون بأنه سيشكل “ثورة في مفهوم الحوكمة” وسيحمل ”إشارة قوية على توجه ألبانيا نحو المستقبل وقطع علاقاتها مع ماضيها المضطرب”. كما أشاد خبراء التكنولوجيا بهاته الرؤية الجريئة. معتبرين أن استخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة الفساد هو أحد أكثر التطبيقات فائدة للمجتمع. فيما أبدى أخرون بعض التفاؤل الحذر. مشيرين لعدد من التحديات التي تواجه الخطوة.
وفي هذا الشأن أوضح المحذرون بأن فعالية الذكاء الاصطناعي تعتمد على جودة وشمولية البيانات المضمنة في الذاكرة. مبرزين أن وجود بيانات ناقصة أو غير دقيقة قد يقوض العملية برمتها. فضلا عن الضرورة الملحة لحماية الخوارزميات نفسها من محاولات القرصنة أو التلاعب من قبل الفاسدين عينهم. متسائلين عن الكيفية التي يمكن من خلالها الموازنة بين المراقبة اللازمة لحماية المال العام واحترام خصوصية الأفراد.
وأوضح المتوجسون أن العملية برمتها ستواجه مقاومة لها داخل الجهاز الحكومي نفسه، في حالة نجاح التجربة.
خطوة تعتبر هي الأولى من نوعها على الصعيد العالمي. حيث ستساعد، في حالة نجاحها، دول العالم في معركتها لمحاربة الفساد وزيادة الشفافية في المرفق العام.
تجدر الإشارة إلى أن هاته الخطوة الثورية تأتي في إطار “الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد”، (2023ـ2027)، التي تنهجها البلاد. إضافة “للخطة الرقمية لألبانيا”، المدعومة من قبل “الاتحاد الأوروبي”. كما انها تندرج ضمن التزام “ألبانيا” بمبادئ “اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد”، (UNCAC). ومواءمة تشريعاتها مع معايير “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، (OECD).
كيف يمكن تسخير التقنية الحديثة لمساعدة الإنسان في مجال محاربة الفساد؟
لتحويل حلم محاربة الفساد المؤسساتي” إلى حقيقة استعانت “ألبانيا” بالتقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي وعينت وزارة خاصة لإنجاز هاته الخطوة العملاقة. وذلك في باب تقوية الرقاية والقضاء على الفساد.
وستقوم الوزارة المستحدثتة بتطوير “خوارزميات ذكاء اصطناعي” لمراقبة العمليات الحكومية. مع “تحليل البيانات الضخمة (Big Data)” للكشف عن كافة الأنماط المشبوهة. وذلك في إطار رقمنة كاملة للمعاملات والعمليات الحكومية. فضلا عن إحداث “منصات إلكترونية” تتيح الوصول للمعلومات الحكومية بشكل شفاف.
خطوة ستمكن في حالة نجاحها من ضمان المراقبة الآلية للبيانات المالية والمشتريات الحكومية. إضافة لتحليل عقود الصفقات العمومية للكشف عن التناقضات. مع تحديد الإنذارات المبكرة للعمليات غير المتوافقة مع المعايير المعتمدة. فضلا عن رصد الأسعار غير التنافسية والموردين المشبوهين.
هل تمكن الخطوة الألبانية من ضمان حوكمة رقمية
تتستند المبادرة الألبانية عل “القانون الألباني رقم 9918″، ذا الصلة بمكافحة الفساد. إضافة للتشريعات ذات الصلة بحماية البيانات الشخصية، المتوافق مع “اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR). فضلا عن “القانون الإطار للتحول الرقمي” لعام 2022 و”التوجيهات الأوروبية”، الخاصة بالحوكمة الرقمية.
إلا أنه وعلى الرغم من أهمية الخطوة وآثارها المنتظرة، إن كتب لها النجاح. يبقى رهينا بجودة وشمولية البيانات المضمنة في الأنظمة. مع حماية الخوارزميات من محاولات القرصنة والتلاعب. فضلا عن موازنة المراقبة مع احترام الخصوصية الفردية. إضافة للتكلفة المالية الكبيرة للتطبيقات التقنية المتطورة.
وعلى الرغم من ذلك فقد لاقت الخطوة ترحيبا عالميا. حيث أشادت بها “منظمة الشفافية الدولية”. فيما وصفها “البنك الدولي” بـ”النموذج الذب يجب أن يحتذى به”. بينما أشادت “المفوضية الأوروبية” بالتزام “ألبانيا” بالإصلاحات. كما أن “خبراء التكنولوجيا” رأوا في الخطوة تطبيقا مجتمعيا مفيدا.
من هنا يمكن النظر إلى كون التكنولوجيا ليست سحرا. بل يمكن جعلها أداة قوية لمحاربة الفساد إن تم استخدامها بحكمة، وفق ما صرحت به “ميليسا دويلي”، مديرة “الشفافية الدولية”. علما أن البيانات هي السلاح الجديد في الحرب ضد الفساد. وبالتالي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون الحارس الأمين للمال العام.
