الجريدة العربية – محمد حميمداني
ارتفعت حصيلة ضحايا الفيضانات والانهيارات المدمرة، التي اجتاحت مناطق واسعة، واقعة على الحدود بين “نيبال” و”الصين”. لتصل إلى أزيد من 919 قتيلا، على الأقل. ضمنهم 903 في “نيبال” و16 في منطقة “التبت الصينية”. فيما بلغ عدد المفقودين إلى 4793 شخصا. وفق أحدث المعطيات الرسمية، الصادرة اليوم الاثنين.
في هذا السياق، أعلنت “الهيئة الوطنية للحد من مخاطر الكوارث وإدارتها: في “نيبال” تسجيل 903 من الوفيات. فيما لا يزال 4247 شخصا في عداد المفقودين، بينهم 592 أجنبيا.
في الجانب الصيني، أكدت السلطات مقتل 16 شخصا وفقدان 546 آخرين. تحديدا في منطقة “غيريونغ” في “التبت”. بينهم 261 أجنبيا.
كارثة تحمل مآسي كبيرة يتم تسجيلها، في وقت تواصل فيه فرق الإنقاذ النيبالية والصينية عمليات البحث عن ناجين في ظروف بالغة الصعوبة. فيما انضمت فرق إنقاذ أجنبية لجهود الإغاثة. بغاية الوصول للعمال المحاصرين، داخل أنفاق تابعة لمشاريع الطاقة الكهرومائية.
فرق الإنقاذ تسابق الزمن لإنقاذ العمال المحاصرين
تتركز إحدى أكثر عمليات الإنقاذ تعقيدا على مواقع مشاريع الطاقة الكهرومائية. بعدما أدرجت السلطات النيبالية 933 شخصا من العاملين، في عدد من المحطات، ضمن قوائم المفقودين. وسط جهود متواصلة للوصول إلى الأنفاق التي حاصرتها المياه والأوحال والحطام.
لهاته الغاية، تستخدم فرق الإنقاذ معدات وآليات ثقيلة لإزالة الركام، إلى جانب تقنيات حديثة للبحث عن المحاصرين. فيما تشارك فرق وخبراء من “الصين” و”الهند” في دعم عمليات الوصول إلى بعض المواقع المتضررة.
في هذا الشأن، قال المتحدث باسم الجيش النيبالي، “العميد راجا رام باسنيت”: إن عمليات البحث لا تزال مستمرة، بغاية الوصول إلى الأشخاص العالقين في المناطق الجبلية والتجمعات السكنية ومجاري الأنهار. في وقت تعمل فيه السلطات على توسيع نطاق عمليات الإنقاذ والإغاثة.
في هذا الشأن، أعلنت السلطات النيبالية تعبئة أكثر من 20 ألفا من قوات الأمن، للمشاركة في عمليات البحث والإنقاذ والإغاثة. فيما تواصل المروحيات إجلاء محاصرين من مناطق يصعب الوصول إليها برا.
وتعود تفاصيل هاته الكارثة الطبيعية، إلى الأربعاء الماضي. بعدما أدى انهيار جليدي وصخري طال منطقة مرتفعة من جبال “الهيمالايا”، إلى تدفق كميات هائلة من الجليد والصخور والمياه والحطام نحو الأودية، الواقعة أسفل المنطقة.
ووفق المعطيات المتاحة، فإن كتلة جليدية متواجدة على ارتفاع 5200 مترا، وتحديدا في جبل “لانغتانغ ليرونغ”، قد انهارت. قبل أن يتحول الانهيار لتدفق هائل للحطام والمياه، اجتاحت مناطق حدودية في “نيبال” و”التبت”.
وقد تسببت هاته الكتلة المتحركة، في ارتفاع سريع لمستويات المياه. حيث تحولت الأنهار الجبلية إلى سيول جارفة حملت معها الصخور والطين والأشجار والحطام. ما أدى لتدمير منازل وجسور وطرق ومنشآت حيوية.
الكارثة حدث جيولوجي معقد وليس مجرد فيضان عادي
تكمن خصوصية الكارثة التي اجتاحت “نيبال” و”الصين” في تداخل عدة عوامل طبيعية. ضمنها عدم استقرار المنحدرات الجبلية وانهيار الجليد والصخور.
وقد أظهرت تحليلات علمية ملتقطة عبر الأقمار الصناعية، أن الطاقة الناتجة عن الانهيار كانت كبيرة بما يكفي ليتم تسجيلها كحدث زلزالي بقوة 5.3 درجات. اتصالا بهاته الحركة العنيفة للكتلة المنهارة، ما ولد إشارات التقطتها أجهزة الرصد الزلزالي.
ويرى خبراء في المجال، أن ارتفاع درجات الحرارة وتغير الظروف المناخية في المناطق الجليدية يزيدان من هشاشة بعض المنحدرات والأنهار الجليدية. ما يزيد من مخاطر الانهيارات والفيضانات المفاجئة في المناطق الجبلية.
دمار البنية التحتية نتيجة الانهار
تجاوزت الخسائر المسجلة الأرواح، لتطال الطرق والجسور ومشاريع الطاقة الكهرومائية ومناطق سكنية بأكملها.
كما أدى تدمير عدد من المعابر لعزل مناطق جبلية، الأمر الذي صعب مهام فرق الإنقاذ. خاصة مع استمرار مخاطر حدوث انهيارات أرضية وتدفق للمياه والحطام.
في هذا الصدد، تشير تقديرات أولية للصليب الأحمر الدولي، أن أكثر من 90 ألف شخص قد يكونوا قد تأثروا بالكارثة. ما يوسع نطاق الاحتياجات الإنسانية إلى ما يتجاوز عمليات البحث عن مفقودين. ليشمل توفير المأوى والغذاء والماء والرعاية الصحية. فضلا عن إعادة تأهيل البنية التحتية.
في الجانب الصيني، أكدت السلطات مقتل 16 شخصا، وفقدان 546 آخرين في منطقة “غيريونغ” بـ”التبت”، بينهم 261 أجنبيا.
تكتسي هاته الأرقام أهمية خاصة، لكون المنطقة تستقطب سياحا ومتسلقين وحجاجا من جنسيات مختلفة. فضلا عن صعوبة الوصول إلى بعض المناطق الحدودية. ما يجعل عمليات حصر المفقودين أكثر تعقيدا.
هكذا، تعيش كل من “التبت” و”الصين” أسوأ كارثة طبيعية. حيث أفادت الأرقام المعلنة بمقتل 919 شخصا على الأقل، وفقدان 4793 آخرين. فيما يمكن لهاته الأرقام أن تتغير، خلال الساعات والأيام المقبلة. نتيجة استمرار عمليات البحث وتحديث قوائم المفقودين والتعرف على الضحايا.
مخاطر أخرى تهدد الإنقاذ
تواجه فرق الإنقاذ خطرا إضافيا، يتمثل في احتمال تشكل أو انهيار بحيرات مؤقتة، خلف السدود الطبيعية التي تكونت بفعل الصخور والجليد والحطام.
في هذا الشأن، يحذر خبراء، من أن انهيار مثل هذه الحواجز الطبيعية، يمكن أن يؤدي إلى فيضانات جارفة جديدة، تجتاح المناطق الواقعة أسفلها. الأمر الذي يفرض على السلطات ضرورة مراقبة مستويات المياه والمناطق الجبلية، بصورة مستمرة.
كما تفرض الواقعة على السلطات، إلزامية تطبيق قواعد جديدة لإدارة الكوارث تقوم على اعتماد أسلوب الإنذار المبكر. والأهم إجلاء السكان من المناطق المهددة قبيل وقوع الكارثة. فضلا عن تبادل المعلومات بين أجهزة الرصد وخبراء الجيولوجيا والسلطات المحلية وفرق الإنقاذ.
تضع الكارثة السلطات أمام مسؤوليات متعددة. ضمنها حماية الحق في الحياة وسلامة السكان. التي تشمل الاستجابة للمخاطر وتنظيم عمليات البحث والإنقاذ وإدارة مراكز الإيواء. فضلا عن تسجيل أعداد المفقودين والضحايا وحماية الممتلكات وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين. إضافة لتقييم الأضرار الملحقة وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية.
كارثة تتجاوز تتجاوز الحدود
تكشف هاته الكارثة، هشاشة بنية المناطق الجبلية أمام الأحداث المفاجئة، خصوصا عندما تتداخل المخاطر الجيولوجية مع المائية والمناخية.
كما أن وجود مشاريع للطاقة الكهرومائية والطرق والمستوطنات ومشاريع سياحة جبلية في مناطق الأنهار. يجعل أي تغير مفاجئ في حركة المياه أكثر خطورة. ما يقوي الحاجة لوجود أنظمة إنذار مبكر، قادرة على رصد التغيرات الجليدية والجيولوجية، قبل تحولها إلى كوارث واسعة.
بعيدا عن لغة الأرقام وأعداد الضحايا والمفقودين. تيبقى الوضع الإنساني بما يحمله من انتظار أسر لمصير أبنائها وأقاربها وعمال محاصرين داخل منشآت تحت الأرض ومناطق سكنية تحتاج إلى الإغاثة. فضلا عن بنية تحتية تنتظر إعادة البناء. من أهم الإشكالات التي تواجه مستقبل المناطق المنكوبة، ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر تعقيدا.
