الجريدة العربية – الرباط
بعد مرور نحو خمسة عشر عاماً على التنصيص عليه في دستور 2011، لا يزال المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي خارج حيز التفعيل، رغم صدور القانون المنظم له سنة 2018 وتعديله سنة 2019، وهو ما أعاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي التأكيد على ضرورة تجاوزه، داعياً إلى تسريع إخراج هذه المؤسسة إلى حيز الوجود وإعادة النظر في إطارها القانوني بمشاركة الشباب أنفسهم.
ويستند إحداث المجلس إلى الفصل 33 من دستور 2011، الذي ينص على اتخاذ السلطات العمومية التدابير الملائمة لتيسير مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد. كما يحدد الفصل 170 طبيعة المجلس باعتباره مؤسسة استشارية في مجالات حماية الشباب والنهوض بالحياة الجمعوية، تتولى دراسة وتتبع القضايا المرتبطة بهذين المجالين، وتقديم المقترحات بشأن مختلف المواضيع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تهم الشباب والعمل الجمعوي.
وقد جرى تنزيل هذا المقتضى الدستوري من خلال القانون رقم 89.15 المتعلق بالمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، الصادر بموجب الظهير الشريف رقم 1.17.112 بتاريخ 2 يناير 2018 والمنشور بالجريدة الرسمية، قبل أن يخضع للتعديل بموجب القانون رقم 06.19 الصادر سنة 2019.
ويمنح القانون للمجلس الشخصية المعنوية للقانون العام والاستقلال المالي، فيما حُدد مقره بمدينة الرباط، كما أوكل إليه عدد من الاختصاصات، من بينها إبداء الرأي في القضايا التي تدخل ضمن مجال اختصاصه والتي تحال عليه، وتقديم المقترحات إلى السلطات العمومية، وإعداد الدراسات والأبحاث المتعلقة بالشباب والعمل الجمعوي، فضلاً عن إصدار توصيات موجهة إلى السلطات المختصة على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية.
كما يناط بالمجلس الإسهام في وضع إطار مرجعي لحكامة العمل الجمعوي، والنهوض بكفاءة ومهنية الفاعلين الجمعويين، والمساهمة في إعداد ميثاق أخلاقي للعمل الجمعوي، خاصة في ما يتعلق بمبادئ الشفافية في تمويل الجمعيات وتدبيرها، إلى جانب المساهمة في إثراء النقاش العمومي حول السياسات العمومية المتعلقة بالشباب والعمل الجمعوي.
وينص القانون كذلك على أن المجلس، عندما تتم إحالته من طرف الحكومة أو أحد مجلسي البرلمان، يبدي رأيه في مشاريع ومقترحات القوانين والقضايا والبرامج المعروضة عليه داخل أجل لا يتجاوز شهرين من تاريخ الإحالة.
30 عضواً ورئيس يعين بظهير
وبحسب الإطار القانوني، يتكون المجلس من 30 عضواً، إضافة إلى رئيس يعين بظهير شريف، على أن يتم اختيار الأعضاء من بين الشخصيات التي تتوفر على الخبرة والكفاءة والإلمام بقضايا الشباب والعمل الجمعوي.
وتشمل تركيبة المجلس عشرة أعضاء يعينهم الملك، وستة أعضاء يعينهم رئيس الحكومة من بين ممثلي الإدارات العمومية المعنية، وأربعة يمثلون الشباب المغاربة المقيمين بالخارج والجمعيات التي تضم مغاربة العالم، فيما يضم عشرة أعضاء من الوسط الجمعوي يتم تعيينهم من طرف رئيسي مجلسي البرلمان.
كما ينص القانون على إحداث هيئتين داخل المجلس، تخصص الأولى لقضايا الشباب، فيما تعنى الثانية بالعمل الجمعوي، على أن تضطلع كل هيئة بالاختصاصات المرتبطة بمجالها. ومن المقرر أن تجتمع الهيئة المكلفة بالشباب مرتين على الأقل في السنة، مع إمكانية عقد دورات استثنائية كلما اقتضت الحاجة.
تأخر التفعيل يثير انتقادات
ورغم هذا الإطار الدستوري والقانوني المتكامل، فإن المجلس لم ير النور فعلياً إلى حدود الآن. وأعاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تقريره السنوي لسنة 2025، التأكيد على ضرورة الإسراع بإحداث المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، مع ملاءمة إطاره القانوني.
وشدد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على أهمية إشراك الشباب في عملية مراجعة الإطار القانوني، بما يجعل المؤسسة فضاءً حقيقياً للإنصات والحوار والمشاركة، وقادراً على استيعاب تنوع الشباب المغربي واختلاف تطلعاته وأشكال تعبيره الجديدة.
وكان المجلس قد سجل في تقرير سابق حول حصيلة البرامج العمومية الموجهة للشباب خلال الفترة 2016-2021 أن التأخر في تفعيل عدد من الآليات والمؤسسات المنصوص عليها في دستور 2011، وفي مقدمتها المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، إلى جانب محدودية فعالية آليات الحوار والتشاور والمشاركة على المستوى الترابي، لا يساعد على تجاوز ضعف انخراط الشباب المغربي في الحياة العامة.
وتضع هذه الملاحظات مسألة تفعيل المجلس مجدداً في صلب النقاش حول المشاركة الشبابية والمؤسسات الدستورية، خصوصاً في ظل التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي وتغير طرق تعبير الشباب عن آرائهم وانشغالاتهم.
وبينما يوفر الدستور والقانون أساساً واضحاً لإحداث هذه المؤسسة، فإن استمرار انتظار تفعيلها بعد سنوات طويلة يطرح سؤالاً جوهرياً حول الآجال المطلوبة لتحويل المقتضيات الدستورية إلى مؤسسات قائمة وفاعلة، قادرة على منح الشباب فضاءً مؤسساتياً للحوار والمشاركة في صياغة السياسات العمومية المرتبطة بمستقبلهم.
