فضيحة أكاديمية بالقنيطرة: حين تتحول الجامعة إلى منصة للعبث

الجريدة العربية -مكتب الرباط

في سابقة تُعمّق الإحساس بالعبث داخل الفضاء الجامعي، لم يتوقف الجدل عند توقيت استضافة مغني الأجواق والملاهي الليلية “سي مهدي” خلال فترة امتحانات الدورة الاستدراكية بكلية اللغات والآداب والفنون بالقنيطرة، بل تجاوز ذلك إلى موجة رفض صريحة من طرف عدد من الطلبة، الذين اعتبروا الحدث مساسا برمزية المؤسسة الجامعية وبطبيعة التكوين الأكاديمي نفسه، خاصة وأنه تم في إطار ماستر “التميز في مهن الصناعات الثقافية والإبداعية

فالقضية لم تعد مجرد سوء توقيت أو خلل في البرمجة، بل تحولت إلى سؤال أعمق: من يحق له أن يُؤطر داخل فضاء الماستر الأكاديمي؟ وعلى أي أساس يتم استدعاء المتدخلين؟
حين يعبّر الطلبة عن رفضهم، فهم لا يمارسون موقفًا عدميًا، بل يعلنون تمسكهم بصورة الجامعة كفضاء للمعرفة الرصينة، وليس منصة مفتوحة بلا ضوابط واضحة.

هذا الرفض لا ينبغي تبسيطه أو اختزاله في موقف عاطفي، بل يجب قراءته كإشارة دالة على أزمة ثقة. فجزء من الطلبة يرى أن استضافة مغنٍ—مهما كانت تجربته—داخل مسار أكاديمي، خصوصًا في ماستر يُفترض فيه التميز والتأطير العالي، وفي لحظة امتحانات، يُفهم كنوع من التساهل في معايير التأطير العلمي، أو كخلط غير مبرر بين التكوين الأكاديمي والأنشطة ذات الطابع الترفيهي أو التجاري.

الأخطر أن هذا الإحساس يتقاطع مع سياق حساس، هو سياق الامتحانات، حيث يكون الطالب في أقصى درجات التوتر والتركيز. في هذه اللحظة تحديدًا، تتحول أي مبادرة خارج هذا الإطار إلى استفزاز رمزي، لأنها توحي بأن المؤسسة لا تُقدّر حجم الرهان الذي يعيشه الطلبة.

ثم إن الدفاع عن “الانفتاح على مهن غير مهيكلة” لا يمكن أن يتم بمنطق الانتقائية أو الارتجال. فالانفتاح الحقيقي يقتضي:
• وضوح المعايير في اختيار المتدخلين
• انسجام التخصص مع مسار التكوين
• احترام الزمن الجامعي وعدم تقاطعه مع لحظات التقييم

أما ما حدث، فيوحي بعكس ذلك تمامًا: غياب في التقدير، وضعف في الحس البيداغوجي، وتجاهل لصوت الطلبة.

إن موجة الرفض التي برزت ليست سوى نتيجة طبيعية لهذا التراكم من الاختلالات. فهي تعبير عن وعي طلابي يرفض تمييع الفضاء الأكاديمي، ويتمسك بحدّ أدنى من الصرامة والجدية في تدبير التكوينات الجامعية.

في النهاية، لم يعد النقاش يدور فقط حول استضافة مغنٍ، بل حول معنى الجامعة وحدودها:
هل هي فضاء للمعرفة المنضبطة، أم ساحة مفتوحة لكل أشكال الحضور دون ضوابط دقيقة؟

الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد مستقبل الثقة داخل المؤسسة. لأن الجامعة التي تتجاهل صوت طلبتها، وتُصرّ على قرارات تفتقر إلى الحكمة والسياق، لا تخاطر فقط بسمعتها، بل تُسهم في تقويض صورتها كفضاء للجدية والاستحقاق.

Exit mobile version