فاس: ماستر “المساعدة الاجتماعية والقانون” أية رؤية لأية قيمة مضافة تغني المؤسسات القضائية؟

الجريدة العربية – محمد حميمداني

في خطوة أكاديمية تعكس تحوّلا نوعيا في مسارات التكوين الجامعي المرتبط بالممارسة المهنية. أطلقت كلية الشريعة ب”جامعة سيدي محمد بن عبد الله” بفاس ماستر “المساعدة الاجتماعية والقانون”، باعتباره مسلكا بيداغوجيا جديدا يهدف إلى سدّ فجوة مزمنة بين التكوين النظري القانوني ومتطلبات التدخل الاجتماعي داخل المؤسسات القضائية، وعلى رأسها “أقسام قضاء الأسرة”.

خطوة تأتي في سياق حراك أكاديمي تعرفه “كلية الشريعة” و”جامعة سيدي محمد بن عبد الله” بفاس، اتصالا برؤيتها الرابطة بين المدرجات الجامعية والمؤسسات المهنية.

التكوين الذي تم إطلاقه يهدف للمزاوجة بين عمق التكوين القانوني ومتطلبات التدخل الاجتماعي. كما أنه يأتي في سياق وطني متسم بتنامي الطلب على كفاءات متعددة الاختصاصات، قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية. بغاية العمل على تنزيل نصوص قانونية بروح إنسانية تراعي هشاشة الفئات المستفيدة من العدالة.من المدرج إلى المحكمة: التكوين بالتجربةفي إطار تفعيل البرنامج البيداغوجي للفوج الثاني، نظم طلبة الفصل الثالث، الثلاثاء الماضي، زيارة ميدانية علمية ل”قسم قضاء الأسرة” بمحكمة فاس، تحت إشراف منسق المسلك “الدكتور أحمد الأمراني”، وبمشاركة فعاليات أكاديمية وقضائية. بهدف ربط النص القانوني بروح الممارسة القضائية. وقد مكنت هاته الزيارة الطلبة من معاينة سير العمل الميداني اليومي بمختلف مرافق المحكمة. حيث تم عقد لقاءات تواصلية مثمرة مع فاعلين قضائيين وإداريين فضلا عن معاينة سير العمل اليومي داخل مرافق المحكمة.

إضافة للوقوف على إكراهات الممارسة الميدانية القضائية المرتبطة بالبعد الاجتماعي وفهم أدوار المساعدة الاجتماعية داخل المنظومة القضائية والوقوف على تحدياتها. كما تأتي المبادرة في سياق إعداد موارد بشرية كفأة قادرة على الانخراط في سوق الشغل بالقطاعين العام والخاص. اتصالا باتفاقية الشراكة الموقعة بين “وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة” و”وزارة التعليم العالي والابتكار”. وتسعى الخطوة أيضا لمنح الطلبة الكفايات الأساسية وتنمية مهاراتهم الحياتية واللغوية وتطوير “مهارات القوة” لديهم. ضمانا لملاءمة حقيقية تجمع بين التحصيل النظري وحاجيات المجتمع، سواء من خلال العمل داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، أو وحدات المساعدة الاجتماعية بالمحاكم، أو جمعيات المجتمع المدني. تجدر الإشارة إلى أن الزيارات الميدانية تعتبر حلقة وصل أساسية لترصيد المعارف وتأهيل الطلبة ليس فقط من خلال ضمان ولوج فاعل ونوعي في سوق الشغل والمساهمة في المشروع المجتمعي الوطني. بل أيضا لفتح آفاق البحث العلمي الرصين في سلك الدكتوراه، بما يخدم مسار التنمية الاجتماعية والعدلية بوطننا.وتروم الخطوة المساهمة لتكوين مساعد اجتماعي قانوني يفهم النص، لكنه يدرك أيضا تعقيدات الواقع الإنساني داخل المحاكم.وهنا لا بد من الوقوف حول الأهمية المتزايدة لوحدات المساعدة الاجتماعية بالمحاكم، خاصة وأنها تأتي متزامنة مع تعديل مدونة الأسرة وما رافقه من توسع في أدوار قاضي الأسرة. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى الأرقام الرسمية المقدمة تبرز احتلال قضايا الأسرة مرتبة متقدمة ضمن مجموع القضايا الرائجة أمام المحاكم المغربية. حيث تشكل قضايا الطلاق والتطليق الرقم الاول داخل هذا الصنف.الأمر الذي يجعل حضور المساعد الاجتماعي ضرورة وظيفية، وليس مجرد عنصر تكميلي. وذلك بالنظر إلى دوره في إعداد التقارير الاجتماعية، مواكبة الأطفال والنساء في وضعية هشاشة والمساهمة في تسريع البت القضائي.خطوة تنسجم مع مقتضيات “الفصل 31 من الدستور المغربي”، الذي يضمن الحماية الاجتماعية والولوج العادل للخدمات.جدير بالذكر أن الفصل 31 من الدستور المغربي يعتبر حجر الزاوية في ضمان الحماية الاجتماعية. حيث يلزم الدولة والمؤسسات والجماعات الترابية بتعبئة الموارد لتيسير استفادة المواطنين بشكل متساو من حقوق أساسية مثل الصحة، التعليم، السكن، الشغل، الحماية الاجتماعية، التغطية الصحية والتضامن. إذ يعتبر إطارا قانونيا لتنزيل مشاريع كبرى كورش تعميم الحماية الاجتماعية لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية. كما أن اتفاقية الشراكة الموقعة بين “وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة” و”وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار”، تهدف إلى تأهيل موارد بشرية متخصصة في المجالات الاجتماعية.اتفاقية تأتي تنفيذا للتوجيهات العليا لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده. بهدف بناء مغرب التقدم والكرامة بمشاركة جميع المغاربة نساء ورجالا. كما أنها تأتي أيضا في إطار تفعيل التزامات إعلان مراكش 2020 للقضاء على العنف ضد النساء والفتيات، الذي تم إطلاقه تحت الرئاسة الفعلية لصاحبة السمو الملكي الأميرة الجليلة “لالة مريم”، يوم 8 مارس 2020. تزامنا مع الاحتفال باليوم الوطني للمرأة المغربية الموافق ل 10 أكتوبر 2022 واليوم العالمي للطفلة الموافق ل 11 أكتوبر2022. بهدف أجرأة برنامج تكوين 10.000 متخصصة ومتخصص في العمل الاجتماعي. فضلا عن تعبئة القطاعات المعنية بحماية حقوق النساء والفتيات بهدف ضمان التقائية مختلف التدخلات والسياسات الرامية إلى تمكين النساء والفتيات وتعزيز إسهامهن في التنمية الوطنية.ويسعى ماستر “المساعدة الاجتماعية والقانون” لتمكين الطلبة من كفايات قانونية أساسية وصقل مهاراتهم الحياتية واللغوية أو ما يعرف بـ “مهارات القوة”. بغاية إدماجهم في وحدات المساعدة الاجتماعية بالمحاكم ومؤسسات الرعاية الاجتماعية. وتشير معطيات وطنية إلى أن قطاع العمل الاجتماعي مرشح لخلق آلاف فرص الشغل في أفق 2030، اتصالا بتعميم ورش الحماية الاجتماعية.فالعدالة في عالمنا المعاصر لم تعد نصوصا نظرية فحسب، بل ممارسة اجتماعية تحتاج إلى كفاءات وسيطة مؤهلة. وهو ما يمنح الماستر قوة وفعالية باعتباره أكاديمية رائدة تعكس وعيا متقدما بحاجيات المنظومة القضائية، بما يسهم في بناء جيل جديد من الكفاءات قادر على الربط بين القانون والإنسان، وبين العدالة والتنمية الاجتماعية.

Exit mobile version