الجريدة العربية
سجل سوق العمل المغربي خلال الربع الثاني من سنة 2025 تحسنًا طفيفًا، حيث تراجع معدل البطالة إلى 12.8% مقارنة بـ13.1% خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. غير أن هذا التراجع لم يُخفِ حجم التفاوتات البنيوية والاختلالات المجالية الصارخة، خاصة في صفوف النساء والشباب وسكان العالم القروي، الذين ظلوا الفئة الأكثر تضررًا من الأزمة المناخية والاقتصادية المتواصلة.
الفلاحة في مهب الجفاف.. و107 آلاف منصب شغل في مهب الريح
بحسب معطيات حديثة للمندوبية السامية للتخطيط، فإن القطاع الفلاحي، الذي يشكل شريان الاقتصاد القروي ومصدر دخل رئيسي لآلاف الأسر، فقد 107.000 منصب شغل خلال عام واحد، متأثرًا بجفاف مستمر وتراجع معدلات التساقطات. هذا التدهور الهيكلي يعيد إلى الواجهة فشل السياسات القطاعية في تنويع الاقتصاد المحلي وفك الارتباط الحاد بالأنشطة الموسمية والمناخية.
الخبير الاقتصادي عمر الكتاني أكد أن أزمة الشغل بالعالم القروي لم تعد ظرفية، بل هي نتيجة سنوات من الاعتماد على نموذج تنموي لم يمنح أولوية كافية للتكوين، البنية التحتية أو تحفيز المبادرات المقاولاتية المحلية.
التراجع في معدل النشاط والتشغيل.. النساء أولى الضحايا
انخفض معدل النشاط الوطني إلى 43.4%، مقابل 44.2% خلال نفس الفترة من 2024، وهو تراجع مقلق يعكس صعوبة ولوج شرائح واسعة من الساكنة النشيطة لسوق الشغل. وقد كانت النساء الأكثر تضررًا من هذا الانكماش، حيث سجل معدل البطالة لديهن ارتفاعًا حادًا إلى 19.9% مقابل 17.7% قبل عام.
كما يشير التقرير إلى تفاقم الهشاشة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا، ما يسلط الضوء على ضعف نجاعة سياسات الإدماج المهني في استيعاب الخريجين الجدد.
وتؤكد معطيات المندوبية أن أكثر من 70% من السكان النشيطين يتمركزون في خمس جهات فقط، تتصدرها جهة الدار البيضاء-سطات. أما على مستوى البطالة، فجهات الأقاليم الجنوبية (25.7%)، والشرق (21.1%)، وفاس-مكناس (16.2%)، تمثل الأعلى على الصعيد الوطني، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول العدالة المجالية وفعالية برامج التوازن التنموي.
دعوة ملكية لإعادة هيكلة السياسات الترابية
في هذا السياق، تأتي التعليمات الملكية السامية، الواردة في خطاب العرش الأخير، لتنبه إلى خطورة استمرار التفاوتات المجالية، وتدعو إلى جيل جديد من السياسات الترابية المندمجة، ترتكز على أربع محاور رئيسية:
-
تعزيز الإدماج الاقتصادي عبر خلق فرص الشغل ودعم الاستثمار المحلي.
-
توسيع قاعدة الخدمات الاجتماعية الأساسية في مجالات الصحة والتعليم.
-
إدارة فعالة للموارد المائية لمواجهة الإجهاد المائي.
-
إطلاق مشاريع إعادة التهيئة الترابية بما يتماشى مع الرهانات الكبرى للمملكة.
تحت المجهر: تضخم في مؤشرات الشغل الناقص
في مقابل تراجع نسبي في البطالة، ارتفعت نسبة الشغل الناقص إلى 10.6% على الصعيد الوطني، وبلغ عدد المتأثرين به نحو 1.147.000 شخص. هذا الوضع يعكس واقعًا مزدوجًا: اشتغال فئات واسعة في ظروف غير مستقرة، أو في وظائف لا تناسب مؤهلاتهم، وهو ما يطرح تحديات جديدة أمام برامج التكوين والتأهيل المهني.
في ظل تراجع محدود في معدل البطالة، فإن الأرقام تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا، يتجلى في هشاشة متنامية، فوارق جهوية صارخة، وشلل اقتصادي في الأوساط القروية. الوضع الحالي لا يتطلب مجرد حلول ظرفية، بل رؤية شاملة تعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية والمجالية، كما دعا إلى ذلك جلالة الملك محمد السادس نصره الله، وتضع الإنسان المغربي في صلب المعادلة التنموية.
