الجريدة العربية – الرباط
كشف تحليل لتقرير استخباراتي إسباني عن وجود رقم هاتف يحمل مفتاحاً جزائرياً (+213) ضمن مجموعة على تطبيق «واتساب» مرتبطة بتعبئة المشاركين في محاولات العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية، مشيراً إلى أن الرقم كان يؤدي، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، دوراً في تنسيق المواعيد ونقاط التجمع وتحركات المشاركين.
ووفق التحليل الذي أعده الباحث المتخصص في قضايا الهجرة حسن بنطالب، فإن الرقم المذكور كان يوجه تعليمات بشأن توقيت التحرك وأماكن التجمع، فضلاً عن تقسيم المشاركين إلى مجموعات صغيرة ومتابعة تحركاتهم في الوقت الفعلي، بل وإعادة توجيه بعضهم نحو مليلية.
وتثير هذه المعطيات، بحسب التحليل، مفارقة داخل التقرير الاستخباراتي الإسباني نفسه، الذي يتحدث في الوقت ذاته عن عدم وجود قيادة هرمية واضحة للعملية. ويرى بنطالب أن غياب الهيكل التنظيمي الرسمي لا يعني بالضرورة غياب التنسيق، إذ إن تحديد المواعيد والأماكن واستراتيجيات تفادي قوات الأمن يمكن أن يشكل، من الناحية العملية، وظيفة تنسيقية.
الرقم الجزائري لا يعني تورط الجزائر
ومع ذلك، يشدد التقرير على أن وجود رقم هاتف يحمل مفتاحاً جزائرياً لا يشكل دليلاً على أي تورط رسمي للدولة الجزائرية في هذه العمليات.
كما يشير التقرير الإسباني، بحسب التحليل، إلى إمكانية الحصول بسهولة على أرقام افتراضية من بلدان مختلفة، الأمر الذي يجعل جنسية أو رمز الرقم وحده غير كافٍ لإثبات مصدر العملية أو الجهة التي تقف وراءها.
ويرى الباحث حسن بنطالب أن إبراز أصل الرقم الجزائري قد يمنح هذه المعلومة بعداً جيوسياسياً أكبر من قيمتها الإثباتية الفعلية، داعياً إلى الفصل بين الوقائع التي يثبتها التقرير وبين أي تأويلات سياسية قد تُبنى عليها.
وسائل التواصل تعيد تشكيل شبكات الهجرة
ويبرز التحليل تحولاً في طبيعة عمليات التعبئة المرتبطة بالهجرة، إذ لم تعد الضرورة تقتضي وجود شبكات دائمة ذات هرمية واضحة وإمكانات مالية كبيرة، بل أصبح من الممكن استخدام تطبيقات رقمية مجانية ومجموعات للمحادثة لتنسيق التحركات في وقت قصير.
ويحلل التقرير ما يصفه بأربعة محركات نفسية للحملة الرقمية، تتمثل في الفرصة والسهولة والاستعجال والتأييد الاجتماعي.
غير أن بنطالب يحذر من اختزال ظاهرة الهجرة في تأثير وسائل التواصل الرقمي، معتبراً أن دوافع الراغبين في الهجرة ترتبط أيضاً بعوامل اقتصادية واجتماعية أعمق، من بينها الهشاشة الاقتصادية وغياب مسارات قانونية كافية للتنقل والهجرة.
وبذلك، يمكن للمنصات الرقمية أن تسهل التعبئة والتنسيق، لكنها لا تمثل بالضرورة مصدر الرغبة الأصلية في الهجرة.
بين المقاربة الأمنية والأبعاد الإنسانية
ويخلص التحليل إلى أن التركيز المفرط على الجانب الأمني والرقمي قد يؤدي إلى تهميش الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للظاهرة.
فالأشخاص الذين يحاولون عبور الحدود نحو سبتة ومليلية، وفق هذه القراءة، لا يمكن اختزالهم في مجرد عناصر داخل عملية تعبئة رقمية، لأن قراراتهم ترتبط كذلك بظروف اقتصادية واجتماعية ومسارات شخصية معقدة.
وبالتالي، تبرز الحاجة إلى التمييز بين التنسيق الرقمي للهجرة وبين أي اتهام بتورط دولة أو جهة رسمية، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن معالجة ملف الهجرة لا يمكن أن تقتصر على مراقبة الحدود والفضاء الرقمي، وإنما تستدعي أيضاً النظر في الأسباب الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي تدفع الأشخاص إلى محاولة العبور.

