بنك المغرب يدق ناقوس الخطر ونحو 3 ملايين شاب مغربي خارج كبسولة العمل والتعليم والتكوين..

الجريدة العربية

رغم التحسن الملحوظ الذي عرفته وتيرة النمو الاقتصادي بالمغرب خلال سنة 2025، وخلق الاقتصاد الوطني نحو 193 ألف منصب شغل، فإن سوق العمل ما يزال عاجزاً عن استيعاب أعداد واسعة من الشباب، في مؤشر يكشف استمرار واحدة من أكثر الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية إلحاحاً في المملكة.

وكشف التقرير السنوي لبنك المغرب حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية برسم سنة 2025 أن ما يقارب ثلاثة ملايين شاب مغربي تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة يوجدون خارج منظومات العمل والتعليم والتكوين، أي أنهم لا يشتغلون، ولا يتابعون دراستهم، ولا يستفيدون من تكوين مهني.

ولا يتعلق الأمر فقط بالشباب العاطل عن العمل، إذ تشمل هذه الفئة أيضاً أشخاصاً لا يشتغلون ولا يبحثون بشكل نشط عن وظيفة، وبالتالي لا يتم احتسابهم ضمن السكان النشيطين اقتصادياً.

أكثر من شاب واحد من كل خمسة خارج المنظومة

وبالنسبة إلى الفئة العمرية الممتدة بين 15 و24 سنة، أوضح التقرير أن 23.2 في المائة من الشباب يوجدون خارج العمل والتعليم والتكوين، في وضعية تعكس حجم الصعوبات التي تواجهها فئات واسعة من الشباب في الانتقال من المدرسة أو التكوين إلى الحياة المهنية.

ويؤكد بنك المغرب أن البطالة، ونقص التشغيل، بل وحتى الخروج من سوق العمل، باتت ظواهر تمس شرائح واسعة من السكان، مشيراً إلى أن أقل من أربعة أشخاص من كل عشرة في سن العمل كانوا يشتغلون فعلياً خلال سنة 2025.

وفي الوقت الذي بلغ فيه عدد الأشخاص الذين دخلوا سن العمل خلال السنة حوالي 407 آلاف شخص إضافي، لم يلتحق بسوق الشغل سوى 177 ألفاً منهم، بما يعكس استمرار الفجوة بين دينامية السكان وقدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل جديدة.

بطالة الشباب في مستويات مقلقة

سجل معدل النشاط لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة تراجعاً بـ0.3 نقطة، ليستقر عند 22.4 في المائة، ما يعني أن أقل من شاب واحد من كل أربعة ضمن هذه الفئة كان يشتغل أو يبحث بشكل نشط عن عمل.

وفي المقابل، ارتفع معدل النشاط لدى الفئة العمرية بين 25 و34 سنة بـ0.8 نقطة ليصل إلى 61.3 في المائة.

وكان الشباب بين 15 و24 سنة الفئة العمرية الوحيدة التي سجلت ارتفاعاً في معدل البطالة خلال سنة 2025، إذ ارتفع بـ0.5 نقطة ليبلغ 37.2 في المائة، مقابل 13 في المائة كمعدل عام للساكنة النشيطة.

وتبدو الفوارق أكثر حدة بين المدن والقرى، حيث بلغ معدل البطالة في صفوف الشباب النشيطين بالوسط الحضري حوالي 48 في المائة، بينما وصل إلى 22.7 في المائة في المناطق القروية، مع تسجيل ارتفاع في الوسط القروي مقابل تراجع طفيف في المدن.

الشباب يمثلون غالبية العاطلين

وتؤكد معطيات التقرير أن البطالة في المغرب تحمل، بشكل واضح، طابعاً شبابياً، إذ إن أكثر من ثلاثة أرباع مجموع العاطلين عن العمل، البالغ عددهم حوالي 1.6 مليون شخص سنة 2025، تقل أعمارهم عن 35 سنة.

ويمثل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة حوالي 30.5 في المائة من مجموع العاطلين، بينما تمثل الفئة الممتدة بين 25 و34 سنة حوالي 45.7 في المائة.

كما يظل الولوج إلى أول وظيفة من أكبر العقبات، إذ يشكل الباحثون عن أول عمل 52.9 في المائة من مجموع العاطلين.

ويضاف إلى ذلك ارتفاع مدة البطالة، حيث كان 64.8 في المائة من العاطلين يبحثون عن عمل منذ أكثر من سنة، مقابل 62.4 في المائة خلال سنة 2024، بما يعكس خطر تحول البطالة من وضعية مؤقتة إلى حالة طويلة الأمد.

193 ألف منصب شغل.. لكن الأرقام لا تكفي

ويأتي هذا الوضع رغم التحسن المسجل في خلق فرص العمل خلال سنة 2025، إذ تمكن الاقتصاد الوطني من إحداث 193 ألف منصب شغل، مقابل 82 ألفاً سنة 2024، بعد فقدان 157 ألف منصب خلال سنة 2023.

وارتفع عدد السكان النشيطين المشتغلين بنسبة 1.8 في المائة، ليصل إلى حوالي 10.9 ملايين شخص.

وقد جاءت غالبية المناصب الجديدة من القطاعات غير الفلاحية، التي خلقت 233 ألف منصب، توزعت بين قطاع الخدمات بـ123 ألف منصب، وقطاع البناء والأشغال العمومية بـ64 ألفاً، والصناعة بـ46 ألفاً.

في المقابل، فقد القطاع الفلاحي 41 ألف منصب شغل، بعد أن كان قد فقد 137 ألف منصب خلال السنة السابقة.

ورغم ذلك، لم يرتفع معدل التشغيل سوى بـ0.1 نقطة ليستقر عند 37.8 في المائة، بعد ثلاث سنوات متتالية من التراجع.

اقتصاد ينمو.. لكن محتوى النمو من فرص الشغل يتراجع

ويرى بنك المغرب أن التشغيل لا يزال يمثل «الحلقة الأضعف» في الاقتصاد الوطني، فرغم تسجيل نمو بنسبة 4.9 في المائة خلال سنة 2025، فإن عدد المناصب المحدثة لا يزال غير كاف لاستيعاب الوافدين الجدد على سوق العمل، أو لإحداث تراجع ملموس في معدل البطالة.

وتشير المؤسسة النقدية إلى أن قدرة النمو الاقتصادي على خلق فرص الشغل تراجعت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة النمو ومردوديته الاجتماعية، ومدى قدرته على التحول إلى وظائف مستقرة ومداخيل مستدامة.

ليست كل الوظائف مستقرة أو محمية

ولا يقتصر التحدي على عدد فرص الشغل، بل يمتد أيضاً إلى جودتها واستقرارها ومدى استفادة أصحابها من الحماية الاجتماعية.

فبينما يمثل الأجراء حوالي 61 في المائة من مجموع المشتغلين، لا يتوفر سوى 54 في المائة منهم على عقد عمل.

كما يمثل العاملون لحسابهم الخاص 29.6 في المائة من مجموع المشتغلين، في حين تبلغ نسبة المساعدين العائليين 8.9 في المائة.

وسجل العمل الموسمي أو العرضي ارتفاعاً بنسبة 3.5 في المائة خلال سنة 2025، ليشكل 12.3 في المائة من إجمالي التشغيل.

أما التغطية الصحية، فتظل من أبرز مظاهر هشاشة سوق العمل، إذ أفاد 68.4 في المائة من الأشخاص المستجوبين بعدم استفادتهم من تغطية صحية في إطار نشاطهم المهني، وترتفع هذه النسبة بشكل حاد في القطاع الفلاحي إلى 92.2 في المائة، مقابل 50.6 في المائة في القطاع الصناعي.

ارتفاع التشغيل الناقص وعدم ملاءمة المؤهلات

كما سجل التشغيل الناقص بدوره ارتفاعاً، رغم التراجع الطفيف في معدل البطالة العام، إذ انتقلت نسبته من 10.1 إلى 10.9 في المائة على المستوى الوطني.

وفي نحو نصف الحالات، أي 48.2 في المائة، يرى الأشخاص المعنيون أن مؤهلاتهم لا تتناسب مع الوظائف التي يشغلونها، أو أن مستوى أجورهم لا يعكس طبيعة العمل الذي يقومون به.

وهنا تبرز إشكالية عدم الملاءمة بين مخرجات منظومة التعليم والتكوين وحاجيات سوق العمل، وهي فجوة تؤثر في فرص الشباب، وتحد من إنتاجية الاقتصاد، وتزيد من احتمالات استمرار البطالة أو الانتقال إلى وظائف هشة.

بنك المغرب يدعو إلى إصلاحات عميقة

وأمام هذه المعطيات، يشدد بنك المغرب على ضرورة تحسين استعداد الشباب للولوج إلى سوق العمل، من خلال مواصلة تأهيل منظومة التعليم والتكوين، وربطها بشكل أكبر بحاجيات الاقتصاد والمقاولات.

كما يدعو إلى تعزيز الآثار الاقتصادية والاجتماعية للاستثمارات، حتى لا تقتصر على بناء البنيات التحتية أو رفع مؤشرات النمو، بل تتحول إلى فرص عمل مستدامة، خصوصاً لفائدة الشباب.

ويؤكد البنك المركزي كذلك أهمية تعزيز انخراط القطاع الخاص في خلق فرص الشغل، باعتباره الطرف القادر على ضمان دينامية اقتصادية مستمرة وتوفير وظائف أكثر استدامة.

وتكشف هذه الأرقام أن معركة التشغيل في المغرب لم تعد مرتبطة فقط بخلق عدد أكبر من المناصب، بل أصبحت مرتبطة أساساً بخلق وظائف ذات جودة، محمية ومستدامة، وقادرة على استيعاب الشباب وإعادة ربطهم بمسار التنمية.

فالنمو الاقتصادي، مهما بلغت نسبه، يظل ناقص الأثر ما لم يجد طريقه إلى جيوب الأسر، وإلى سوق العمل، وإلى مستقبل ملايين الشباب الذين ينتظرون فرصة حقيقية للاندماج في الدورة الاقتصادية والاجتماعية.

Exit mobile version